إمامنا يخطئ في قراءة القرآن ويبتدع.. كيف أنصحه؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. فتحي عبد الستار
  • القسم : فئات المدعوين
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 119
  • رقم الاستشارة : 3652
24/12/2025

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أصلي في مسجد يمتلك إمامه مكانة اجتماعية كبيرة ويكبرني سنًا، لكن لدي ملاحظات على إمامته، منها: وقوعه في أخطاء واضحة بأحكام تجويد القرآن، وأحيانًا تشكيل الكلمات، ومواظبته على أفعال مخالفة للسنة؛ كالدعاء الجهري قبل تكبيرة الإحرام، والجهر بالأذكار بعد الصلاة (ختم الصلاة).

أرغب في توجيهه للصواب، لكنني أخشى أن يُفهم نصحي له على أنه عدم احترام لسنه ومقامه، أو أن يتسبب ذلك في نفوره مني.

فكيف أنصحه بطريقة حكيمة تؤدي المطلوب دون خسائر ولا مشاكل. وماذا لو سمع مني ولم يستجب؟

الإجابة 24/12/2025

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وأهلًا ومرحبًا بك أخي الفاضل، وأشكرك على طرحك هذا السؤال الذي ينمُّ عن حرصٍ بالغ على شعائر الله، وغيرةٍ محمودة على سنة النبي ﷺ، مع رقيٍّ في الأخلاق وحرصٍ على حفظ مقامات الناس. أسأل الله أن يبارك في عمرك، وأن يجزيك خير الجزاء على هذا الورع، وأن يوفقك لقول الحق بالحكمة والموعظة الحسنة، ويجعلنا وإياك من الهداة المهتدين، وبعد...

 

فإنَّ رغبتك في تصحيح العبادة داخل بيت من بيوت الله هي تجسيدٌ لقول النبي ﷺ: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ» [رواه مسلم]. ولكن، لمَّا كان الإمام ذا سنٍّ ومكانة، فإنَّ النصيحة هنا تتحول من مجرد نقل معلومة إلى فنٍّ من فنون الدعوة والتواصل. فالهدف ليس إقامة الحجة عليه؛ بل استمالة قلبه للحق مع الحفاظ على هيبته، عملًا بقوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: 125].

 

كيف تنصح بطريقة حكيمة تؤدي المطلوب؟

 

النصيحة للشخصيات ذات الاعتبار الاجتماعي تتطلب البحث عن «مدخل لطيف»، ويمكنك اتباع الخطوات التالية:

 

1- الثناء قبل النقد:

 

لا تبدأ بنقد الأخطاء مباشرة. ابدأ بالثناء على جهوده في إمامة المسجد، وتفانيه في خدمة المسلمين، فهذا يفتح مغاليق الصدر، ويجعله أكثر استعدادًا للقبول.

 

2- التلميح لا التصريح:

 

كان النبي ﷺ إذا أراد تنبيه شخص على خطأ ما، لم يكن يواجهه باسمه أمام الناس، بل يقول: «مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَفْعَلُونَ كَذَا وَكَذَا» [متفق عليه]. فيمكنك استعارة هذا الأسلوب بقولك: «يا شيخنا، قرأتُ فتوى مؤخرًا حول أذكار ما قبل وما بعد الصلاة، وأردت التأكد منك، هل الأفضل الإسرار بها أم الجهر؟». هنا أنت تضعه في مقام «المعلِّم» بدلًا من «المخطئ»، مما يدفعه للبحث والمراجعة ذاتيًّا.

 

3- الهدية مفتاح القلوب:

 

قدِّم له مصحفًا ذا خطٍّ واضح، أو كتابًا في تيسير أحكام التجويد، أو في صفة صلاة النبي ﷺ، كهدية رمزية. وقل له: «هذا الكتاب أعجبني وأحببت أن يكون في مكتبة شيخنا الذي نقتدي به». القراءة الشخصية غالبًا ما يكون أثرها أفضل من التلقين المباشر.

 

4- اختيار الوقت والمكان:

 

إياك والنصيحة أمام الناس، فكما قال الإمام الشافعي:

 

تَعَمَّدني بِنُصحِكَ في اِنفِرادي ... وَجَنِّبني النَصيحَةَ في الجماعة

 

فَإِنَّ النُصحَ بَينَ الناسِ نَوعٌ ... مِنَ التوبيخِ لا أَرضى استِماعه

 

اختر وقتًا يكون فيه هادئًا، وليس بعد الصلاة مباشرة حيث الزحام، وربما تكون دعوة على كوب من القهوة خارج المسجد هي البيئة الأنسب.

 

وبخصوص اللحن في القرآن: إذا كان اللحن (الخطأ) جليًّا يغير المعنى (مثل ضم التاء في كلمة «أنعمتَ» بالفاتحة)، فهذا يحتاج لتنبيه رفيق؛ لأن الصلاة قد تتأثر. أما إذا كان في أحكام التجويد (مثل المدود والغنن)، فالأمر فيه سعة. يمكنك أن تقول: «يا شيخنا، صوتك جميل، ولو أضفنا له تطبيق قاعدة كذا في التجويد لكان أروع».

 

وبخصوص البدع الإضافية: ركِّز على أنَّ السنة هي «الاتباع». ذكِّره بقول النبي ﷺ: «صَلُّوا كما رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» [رواه البخاري]. وانقل له أنَّ السلف كانوا يحرصون على الخفاء في الدعاء لقوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: 55].

 

ماذا لو سمع منك ولم يستجب؟

 

هنا يأتي دور الصبر والاحتساب، وعليك إدراك ما يلي:

 

- براءة ذمتك: فلقد فعلت ما عليك، وأدَّيت أمانة النصيحة. قال تعالى: ﴿لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾ [البقرة: 272].

 

- الموازنة بين المصالح والمفاسد: إذا كان الإمام راتبًا (أي معينًا من جهة رسمية، أو متفقًا عليه بين رواد المسجد) أو له وجاهة عائلية كبيرة، فإن إثارة المشكلات ضده قد تسبب فتنة في المسجد وانقسامًا بين الجماعة. والقاعدة الفقهية تقول: «درء المفاسد مقدم على جلب المصالح».

 

- صحة الصلاة: مذهب جمهور العلماء أن الصلاة خلف الإمام الذي يلحن لحنًا لا يغير المعنى، أو يرتكب بعض البدع (ما لم تكن كُفرية)، هي صلاة صحيحة.

 

- ملازمة الدعاء: القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، فادعُ له بظهر الغيب أن يفتح الله عليه في العلم والعمل.

 

وختامًا أخي الكريم، إنَّ تعاملك مع هذا الإمام هو عبادة في حد ذاته؛ عبادة الصبر، وعبادة حسن الخلق، وعبادة الحفاظ على وحدة المسلمين. تذكر قصة الغلامين اللذين أرادا تعليم رجل كبير الوضوء، لم يقولا له: «وضوؤك خطأ»، بل قالا: «يا عم، انظر أينا يحسن الوضوء»، فتوضآ أمامه فتعلم الرجل واستحيا. فاجعل الحياء والرفق ديدنك، وسيجعل الله لكلماتك أثرًا بإذنه.

 

نفع الله بك، وثبتك على الحق، ورزقنا وإياك الحكمة في القول والعمل.

 

روابط ذات صلة:

كيف نتعامل مع تنافس الكبار على الإمامة رغم ضعف قراءتهم؟

إمام يمدح الناس قراءته.. كيف يتقي الرياء والعُجب؟

الرابط المختصر :