لا تطفئ روحك بجدل لا جدوى منه

Consultation Image

الإستشارة 05/01/2026

أعمل في شركة خاصة، ويجاورني في المكتب زميل لا يكفّ عن السخرية من كل ما يتعلّق بالدين. فإذا ذكرت الصلاة أو الحجاب أو الأخلاق هاجم هذه المعاني ساخرًا، وكرر بأن الالتزام رجعية، وأننا في عصـر العلم والمعرفة. وأحيانًا يتهم المتدينين بالانغلاق أو النفاق، وإذا حاولت الرد ازداد عنادًا وسخرية. وأنا في حيرة بين تركه وشأنه أو محاولة نصحه، كما أنني أخشى أن يثير ذلك توترًا دائمًا في بيئة العمل. فكيف أتعامل معه من غير أن أفقد هيبتي أو أدخل في صدام لا جدوى منه؟

الإجابة 05/01/2026

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وبعد:

 

فلقد ابتُلي بعض الدعاة في زماننا بأشخاصٍ لا يعادون الدين لذاته؛ بل نتيجة تجارب نفسية مؤلمة أو احتكاكات سيئة مع نماذج دينية لم تُحسن تمثيل القيم التي ترفع شعارها. فليس كل مستهزئ منكرًا للإيمان، بل بعضهم يحمل في داخله صورة مشوّهة عن الدين، نشأت من تعثرات وتجارب شخصية أكثر مما نشأت من قناعة فكرية.

 

النظر ببصيرة للمستهزئ

 

وأولى خطوات التعامل مع هذا الصنف أن ننظر إليه ببصيرة لا برد فعلٍ غاضب. فالمستهزئ غالبًا يخفي خلف سخريته جرحًا قديمًا أو شعورًا بالخيبة تجاه سلوك رآه من شخصٍ متدين لم يكن رحيمًا ولا متوازنًا. ولذلك ينبغي ألا يُفهم كلامه على أنه تحدٍّ لله أو للدين، بل محاولة لإخفاء ألمٍ أو اضطرابٍ في داخله.

 

الحكمة الابتعاد عن الجدال العلني

 

ومن الحكمة ألا ندخل معه في جدالٍ علني؛ فالذي يستهزئ أمام الناس لا يقصد البحث عن الحقيقة، وإنما يريد إثارة الضحك أو تأكيد موقفه أمام الجمهور. فإذا أردت محاورته فليكن ذلك في وقت هادئ، وبأسلوب لطيف يفتح باب التفكير لا باب الخصومة. يمكن في مثل تلك اللحظات أن تقول له بهدوء: "قد يكون ما تراه من تصـرفات الناس هو ما نفّرك، ولكن لو عرفت جمال الدين في أصله لوجدته أوسع وأرحم مما تظن". كلمة صادقة في لحظةٍ مناسبة قد تفوق أثر مناقشات طويلة.

 

وأما في العمل فاجعل خُلُقك دعوة صامتة. كن أمينًا، صادقًا، متوازنًا، حسن السمت، لطيف المعاملة. فالسلوك الحسن يخترق القلوب التي لا تخترقها الحجج، ويهدم جدار السخرية من داخله. وربما يتوقف لاحقًا ليسأل نفسه: ما الذي يجعل هذا الشاب ثابتًا وهادئًا رغم كل ما يواجهه؟ ومثل هذا التساؤل هو بداية التحول.

 

أهمية الاستفادة من القصص الواقعية

 

كما يمكن الاستفادة من القصص الواقعية التي تجمع بين العقل والإيمان؛ فذكر نماذج من العلماء والمفكرين الذين رأوا في العلم بابًا لتعظيم الخالق أقرب إلى النفس من الدخول في جدالات مطولة. هذا الأسلوب يُفسح المجال للتأمل من غير صدام، ويُعيد ترتيب المفاهيم بعيدًا عن التشنج.

 

ولا تنس الدعاء الخفي له بالهداية، فالدعوة الحقيقية لا تقتصـر على الكلمة، بل تمتد إلى لحظات الصدق بين يدي الله. وقد تحيي دعوة صادقة قلبًا طال عليه الجفاء، وقد تغيّر مسار إنسان كان يُظهر السخرية ويُخفي الحاجة إلى الرحمة. وكم من مستهزئٍ اليوم أصبح نصيراً للحق غدًا.

 

وفي الختام، لا تجعل سخريته تطفئ روحك ولا تقلل من عزيمتك، ولا تسمح لكلماته أن تُبعدك عن رسالتك في النصح بالحكمة والرفق. فرب كلمةٍ منك تُقال في موضعها تصبح أثرًا ممتدًّا في حياته وإن لم تر نتيجتها الآن، وتكون حجة لك يوم القيامة أنك بلّغت بالحسنى ولم تُجابه بالقسوة.

روابط ذات صلة:

زميلي في الجامعة يصفني بالرجعي.. كيف أرد؟

أُقابل بالسخرية والإيذاء ممن أدعوهم.. هل هذه طريق الدعاة؟

يستهزئ بنصيحتي ولا يتقبلها.. كيف أتعامل معه؟

كيف أواجه سخرية الناس من التزامي بديني؟

كيف يتعامل الدعاة مع السخرية والاستهزاء؟

الرابط المختصر :