الإستشارة - المستشار : أ. فتحي عبد الستار
- القسم : الفتور والضعف
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
370 - رقم الاستشارة : 3161
02/11/2025
رغم إني والله أحب العبادة وأتأثر حيل بفتوري في الطاعة (وخاصةً في قراءة الورد اليومي والسنن)، إلا إني ألقى نفسي كل شوي أقول: "أبدأ ألتزم صح من بكرة" أو "إذا هديت أموري وشغلي خفّ، بشدّ حيلي وأرجع للطريق"، وتمر الأيام والشهور وما فيه أي تغيير يذكر، بل يزيدني الشعور بالذنب إحباط وتثاقل عن إني آخذ خطوة قوية وجادة.
كيف أفكّ نفسي من حلقة التسويف والفتور الروحي اللي طولت عليّ، وش هي الخطوات العملية اللي تنصحوني فيها عشان أبدأ الحين فورًا بدون ما أنتظر الظروف اللي ما هي براضية تتيسر؟ جزاكم الله خير وبارك فيكم.
مرحبًا بك أيها السائل الكريم، وشكرًا جزيلًا لك على ثقتك بنا، وأسأل المولى -عز وجل- أن يجعلنا أهلًا لهذه الثقة، وأن يُلهمنا وإياك الرشد والسداد. كما أسأله -سبحانه- أن يُبشِّر قلبك بما يُحب، وأن يُزيل عنك ثِقَل الفتور والتسويف، وأن يفتح لك أبواب الهمة العالية، وأن يجعلك من السابقين إلى الخيرات، ومن المقبولين عنده في الدنيا والآخرة، وبعد...
فإن النفس البشرية ليست آلة تعمل بالوتيرة نفسها دائمًا؛ بل لها إقبال وإدبار، ونشاط وفتور. وقد أخبرنا نبينا الصادق الأمين ﷺ بهذه الطبيعة، فقال: «إنَّ لكلِّ عملٍ شِرَّةٌ ولكلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةٌ، فمن كانت شِرَّتُه إلى سنَّتي فقد أفلح، ومن كانت فَتْرَتُه إلى غيرِ ذلك فقد هلكَ» [رواه أحمد]. أي أن الفترة (الفتور) أمر طبيعي؛ لكن الفلاح كله في أن تكون هذه الفترة في حدود الطاعة أو قريبًا منها.
والمشكلة الحقيقية التي تعاني منها هي الوقوع في فخ التسويف، الذي يجعلك تنتظر «البداية المثالية» أو «الظروف المُيسَّرة»، وهذا هو المدخل الذي يتسلل منه الشيطان، ليجعل من الهمة عبئًا بدلًا من أن تكون دافعًا.
كيف نفكُّ حلقة التسويف والفتور؟
إن مفتاح كسر هذه الحلقة يكمن في خطوتين متوازيتين:
(1) التغيير القلبي والإيماني (العلاج الروحي).
(2) الخطوات العملية (العلاج السلوكي).
أولًا- العلاج الروحي (تغيير المنطلق)
1. تحويل الشعور بالذنب إلى دافع لا مُحبِط:
بدلًا من أن تجعل الشعور بالذنب يُثقلك ويزيد إحباطك، حوّله إلى توبة مُتجددة تُورِث خِفَّة وسعادة. تذكر أن الله -تعالى- يُحِبّ الأوّابين التائبين العائدين إليه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [سورة البقرة: 222].
إنك لست مطالبًا بالكمال؛ بل مطالب بالاستقامة والسعي المتكرر. ذنب اليوم لا يمنع توبة اليوم، وفتور الصباح لا يمنع نشاط المساء. ارجع إليه الآن، كما أنت، دون انتظار.
2. استشعار «الأحب إلى الله» لا «الأكمل»:
أنت تنتظر ظروفًا مثالية لتأتي بجبل من الطاعة؛ لكن الشريعة علمتنا أن الاستدامة أهم وأحب، فقد سُئِل النبي ﷺ: «أي الأعمال أحب إلى الله؟ قال: أدومها وإن قلَّ» [رواه مسلم]. فلو أن شخصًا يأتي بورد يومي صفحتين كل يوم، خير ممن ينتظر الفراغ ليقرأ جزءًا كل شهرين. إن قطرة الماء المستمرة تحفر الصخر وتذيبه.
3. كسر وهم الشرط والتأجيل:
قولك: «إذا هديت أموري وشغلي خفّ...» هو شرط لن يتحقق أبدًا بالمطلق. فالدنيا دار ابتلاء وكَدٍّ، ولن تجد وقتًا فارغًا تمامًا: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [سورة البلد: 4]. كما أن الطاعة ليست مقصورة على الوقت الفارغ؛ بل هي أولوية ووقود يعينك على الكَبَد ومتاعب العمل.
ثانيًا- الخطوات العملية (العلاج السلوكي)
1. أسلوب «القليل الدائم»:
لا تبدأ بما كنت عليه سابقًا؛ بل ابدأ بأصغر شيء ممكن لا يُرهقك ولا يُمكن أن تعتذر عنه. فبالنسبة للقرآن: ابدأ ولو بآية واحدة بعد كل صلاة مفروضة، ولا تُسمح لنفسك أن تتجاوزها. وبالنسبة للسنن: ابدأ بركعتي الفجر القبليتين فقط لمدة أسبوعين. فهي خفيفة وفضلها عظيم: «ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها» [رواه مسلم].
النتيجة: أنت الآن كسرت حاجز التسويف، وبدأت فورًا عملًا صغيرًا؛ لكنه دائم، ومُتراكِم. بعد أسبوعين، ستجد أنك تريد الزيادة بشكل طبيعي.
2. قاعدة «الاقتران الثابت»
اربط عبادتك بشيء تفعله يوميًّا بشكل ثابت (عادة راسخة لديك). بالنسبة للقرآن لا تجعله في وقت مُنفصل؛ بل اربطه -مثلًا- بانتظار إقامة الصلاة في المسجد. وبالنسبة للسنن: قبل أن تفتح هاتفك لأول مرة في الصباح، صلِّ ركعتَي الضحى.
إن هذا الارتباط يزيل عبء اتخاذ قرار جديد، ويجعل العبادة جزءًا آليًا من روتينك اليومي.
3. استثمار الأوقات المهملة:
لا تنتظر ساعة كاملة للفراغ؛ بل استثمر الأوقات الضائعة أو المُهمَلة، مثل:
- الانتظار في إشارة المرور أو المواصلات.
- دقائق ما قبل النوم أو بعد الاستيقاظ مباشرة.
- دقائق انتظار الطعام أو موعد ما.
احمل معك مُصحفًا صغيرًا دائمًا، أو استخدم تطبيقًا على الهاتف، واجعل الذِّكر (التسبيح والاستغفار والتهليل...) وقراءة صفحات قليلة، هو الفاصل الذهني بدلًا من تفقد الهاتف.
4. مجاهدة البدايات:
أشد لحظة في الطاعة هي لحظة البداية (القيام من السرير، أو فتح المصحف). بمجرد أن تبدأ يذهب الثِّقل. قال ﷺ: «يَعقِدُ الشيطانُ على قافيةِ رأسِ أحدِكُم إذا هو نامَ ثلاثَ عُقدٍ، يضربُ كلَّ عُقدةٍ مكانَها: عليكَ ليلٌ طويلٌ فارقُدْ، فإنِ استَيقظَ فذَكَرَ اللهَ انحلَّتْ عقدةٌ، فإن توضَّأَ انحلَّتْ عقدةٌ، فإن صلَّى انحلَّتْ عقدةٌ، فأصبحَ نشيطًا طيِّبَ النَّفسِ، وإلَّا أصبحَ خبيثَ النَّفسِ كسلانَ» [رواه البخاري].
وختامًا أخي الحبيب، تذكر دائمًا أن الطريق إلى الله هو طريق اجتهاد ومجاهدة، والفتور ليس نهاية المطاف، بل هو دعوة لتجديد العهد. إن الله -تعالى- ينظر إلى صدق المجاهدة لا إلى عِظَم النتيجة. لقد وعد الله الذين يجاهدون أنفسهم بأن يهديهم ويفتح عليهم: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [سورة العنكبوت: 69].
ابـدأ الآن، وأنت تقرأ هذه الكلمات. لا تنتظر دقيقة أخرى. ابدأ بالاستغفار ثلاثًا، ثم صفحة واحدة من المصحف، أو ركعتين لله بنية العودة الصادقة. ستجد خفة عظيمة في صدرك، وسترى كيف يهديك الله السبل.
أسأل الله أن يجعلنا وإياك ممن استعملهم في طاعته، وأن يرفع درجاتنا بصدق نياتنا. والله ولي التوفيق.
روابط ذات صلة:
بادر بالأعمال ولا تصطنع الأعذار
يتقلب مزاجي فأقصِّر في العبادات.. الأسباب أولًا!