كيف نعالج «الجفاف الروحي» في زمن العافية والاطمئنان؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. فتحي عبد الستار
  • القسم : الفتور والضعف
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 332
  • رقم الاستشارة : 3162
02/11/2025

لديَّ وظيفة محترمة، وأسرة طيبة، ولا أعاني من مشكلات كبرى، لكني أشعر بجفاف روحي، وكسل في الطاعات.

هل يُمكن أن يكون الرخاء سببًا في الغفلة؟ وكيف أوقظ القلب حين لا يكون هناك دافع مؤلم؟

الإجابة 02/11/2025

مرحبًا بك أخي الفاضل، وشكرًا جزيلًا على ثقتك بنا، وأسأل الله أن يفتح عليك فتوح العارفين، وأن يشرح صدرك، وأن يمنحك الرضا والسعادة الروحية التي تبحث عنها، وأن يرزقنا وإياك اليقظة الدائمة والإقبال على طاعته، وبعد...

 

الرخاء سبب في الغفلة

 

فإجابتي عن سؤالك: «هل يمكن أن يكون الرخاء سببًا في الغفلة؟»، هي: نعم يا أخي، وبكل تأكيد. فالرخاء وهناءة الحال ابتلاء، ويكون أحيانًا أشد من ابتلاء الضراء. والقرآن الكريم يشير إلى هذه الحقيقة: ﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: 35]. وكثير من الناس لا يتذكرون الله -سبحانه- ولا يدعونه بإلحاح إلا في وقت الشدة، وينسونه -عز وجل- في الرخاء. يقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَىٰ بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾ [فصلت: 51].

 

فعندما تتوفر سبل الراحة، وتنتظم الحياة بلا منغصات كبيرة، يميل الإنسان بطبعه إلى الاستكانة والاعتياد، ويظن أن هذا الوضع دائم لا يزول، فيغفل عن شكر المنعم، وينشغل بالراحة والرفاهية. وهذا ليس ذنبًا بحد ذاته، بل هو طبيعة بشرية تحتاج إلى مجاهدة؛ لأن الرخاء قد يورث التسويف والترف المذموم الذي يُثقل الجسد عن العبادة.

 

كيف توقظ القلب في غياب الدافع المؤلم؟

 

هذا سؤال واعٍ؛ لأنك به تبحث عن دافع لا يعتمد على رد فعل (كالألم)؛ بل يعتمد على فعل وإرادة مستقرة دائمة، وهذا هو المطلوب في علاقتنا بالله تعالى. وهذا يتأتى عن طريق:

 

1. العبادة بمنطق الشكر لا الاحتياج

 

لا تجعل عبادتك مجرد رد فعل للخوف أو الحاجة؛ بل اجعلها مع -الرجاء والخوف- حبًّا لله وشكرًا على نعمه التي ترفل فيها. تأمل حال نبينا ﷺ، وكيف كان يقوم الليل حتى تتفطر قدماه، فلما سُئل عن ذلك وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟ قال: «أفلا أكون عبدًا شكورًا؟» [متفق عليه].

 

2. الاستثمار في الآخرة

 

استبدل بدافع الألم (التخلص من السوء) دافع الطموح (تحصيل الأفضل). انظر إلى صلاتك وصيامك كـأصول استثمارية مضمونة الربح. هل تكسل عن صفقة تعلم أنها ستضاعف لك رأس مالك آلاف المرات؟!

 

ما دمت مستريحًا في الدنيا -والحمد لله- فركِّز على الزيادة والدرجات العالية في الجنة، ومضاعفة رصيدك في الآخرة؟

 

3. تحويل العادات إلى عبادات بالنية

 

أهم علاج للكسل الروحي هو تجديد النية؛ عملك المحترم، اهتمامك بأسرتك الطيبة، نومك وراحتك... كل هذا يمكن أن يتحول إلى طاعات عظيمة بمجرد تغيير القصد:

 

- اجعل نيتك في عملك إعفاف نفسك وأسرتك، وخدمة مجتمعك.

 

- اجعل نيتك في استراحتك التقوِّي على طاعة الله.

 

يقول النبي ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» [متفق عليه].

 

4. الصحبة الصالحة

 

الصحبة الصالحة هي غذاء القلب، فكما أن لديك بيئة عملية منظمة، تحتاج لبيئة إيمانية منظمة تغذي الروح. فابحث عن صحبة صالحة تجعلك تتنافس معهم في الخير. فالملل والجفاف يزولان عندما ترى نماذج حية للنشاط الإيماني والروحي.

 

5. التفكر في نعم الله

 

في لحظات الرخاء، حوِّل تفكيرك من: «ماذا فعلت أنا؟»، إلى: «ماذا فعل لي ربي؟»، تفكر في أن هذا الرخاء، وهذه العافية، وهذه الأسرة، كلها منح محضة من الله تعالى. هذا التفكر في النعم والمنح والعطايا يوقظ في القلب حبًّا عميقًا وودًّا لا يجعلك تطيق البعد عن مناجاة من أنعم عليك.

 

يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ [الانفطار: 6]. وفي الآية لفتة إلى الكرم الذي قد يغتر به الإنسان، ويظن أن الكريم لا ينبغي شكره! فكن ممن شهد الكرم، فصار أكثر شكرًا.

 

وختامًا أخي الكريم، ابدأ بخطوات صغيرة: ركعتين تصليهما بالليل، ورد ثابت من القرآن ولو صفحة واحدة يوميًّا، صدقة خفية يوميًّا. فالقليل الدائم خير من الكثير المنقطع.

 

إن هذا الشعور بضرورة إصلاح القلب والبحث عن اليقظة هو أكبر نعمة، فكن على يقين أن الله يريد بك خيرًا. أسأل الله أن يمدك بالعون، وأن يجعل سعيك مشكورًا، وأن يحول جفافك إلى غيث منهمر.

 

روابط ذات صلة:

شغف الكمال وطموح الروح وحدود الواقع.. أزمة التذبذب

العبادات الآلية الشكلية.. كيف نعيد الروح إليها؟

 

الرابط المختصر :