الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : المعاملات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
22 - رقم الاستشارة : 5760
03/09/2026
ما الضوابط الشرعية لعقود التمويل والمعونات التنموية التبادلية بين الدول؟ وهل تشترط المماثلة والقبض في هذا النوع من التبادل المالي الدولي للحد من الشبهات الربوية؟
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،
وبعد:
فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، تُعدّ
المعونات والمنح التنموية والإغاثية التبادلية بين الدول صورة من صور التضامن
الإنساني والتعاون بين المجتمعات، وتتنوع طبيعتها التعاقدية بين عقود معاوضات
مالية "كالتمويلات والقروض ومبادلات العملات" وعقود تبرع وإحسان محض
"كالمعونات غير المشروطة التي تُقدم أثناء الكوارث والأزمات".
ولما
كان الأصل في عقود التبرعات التوسعة والمسامحة، بخلاف عقود المعاوضات التي تُبنى
على الشح والمغالبة، فإن الشريعة الإسلامية تفرق تفريقًا حاسماً بين الحالتين؛
ضمانًا لنشر روح التعاون المستحب بين الشعوب من جهة، وحمايةً للمعاملات المالية
السيادية من الوقوع في الشبهات الربوية والمماطلة من جهة أخرى، بغض النظر عن مدى
التزام النظم السياسية الحاكمة بالمعايير الشرعية.
اختصارًا:
التمويلات
الاستثمارية والقروض: يُشترط لخلو التمويل الدولي من
الشبهات والمحظورات أن يتجرد من الفوائد الربوية الصريحة أو المستترة، وأن يُصاغ
وفق الصيغ الاستثمارية الإسلامية.
المعونات
الإغاثية غير المشروطة (عقود التبرع): المعونات
والتسهيلات المالية أو العينية غير المشروطة التي تُقدم أثناء الكوارث الطبيعية
والأزمات لا يُشترط فيها التماثل ولا التقابض ولا التبادلية؛ لأنها تندرج فقهيًّا
تحت "عقود التبرعات والصَّلات" والتعاون مقصد مندوب إليه بين الشعوب
والدول، وتثبت فيها أحكام الهبة والإرفاق وتنفك كليًّا عن شبهات الربا.
اشتراط
المماثلة والقبض في المعاوضات والمبادلات: في حال المعاوضات
النقدية والقروض، يُشترط التماثل في القدر لمنع الربا. وفي حال مبادلة العملات
والصرف الدولي التبادلي، يزول شرط التماثل لتنوع الأجناس، ولكن يُشترط التقابض ولو
حكمًا عبر قيد الحسابات الدولية لتفادي ربا النسيئة والمماطلة.
مسؤولية
الأمة: عدم
مراعاة بعض الحكومات للمعايير الشرعية في القوانين الوضعية لا يغير من الحقيقة
الشرعية للعقد؛ فالعقد الربوي يبقى محرمًا، بينما تبقى المعونة الإغاثية غير
المشروطة من باب البر والتعاون المندوب شرعًا وإنسانيًّا.
وتفصيلاً:
مذهب
جمهور الفقهاء التفريق بين عقود المعاوضات وعقود التبرعات فقد فرق الفقهاء بين
التبادلات المالية التي يُقصد بها المعاوضة والمغالبة فيشترط فيها الشروط الشرعية
والقبض، وبين التبرعات والإرفاق كالمنح والهبات التي لا يُشترط فيها التماثل ولا
العوض.
قال
الإمام ابن تيمية في مجموع الفتاوى 29/ 382: "عقود التبرعات كالهبة والصدقة
والقرض مبناها على المسامحة والإحسان، لا على المغالبة، فلا يدخلها الربا الذي
حرمه الله في المعاوضات التي يُطلب بها التماثل والتقابض".
فقه
السياسة الشرعية في إعانة المنكوبين والتضامن بين الدول:
أصل
الفقهاء لجواز وقبول الإعانات والمنح غير المشروطة بين الدول والمجتمعات في أوقات
النازلة والكوارث كصورة من صور النجدة والمواساة الإنسانية.
قال
الإمام الشاطبي في الاعتصام 2/ 122: "التعاون على رفع الضرورات والنوازل
كالقحط والكوارث واصلٌ إلى حد الوجوب أو الاستحباب المؤكد، وما كان من باب الإرفاق
والتبرع الصريح فلا تُطلب فيه العوض ولا التماثل، بل القصد منه المواساة وشد
الأزر".
القواعد
الفقهية الحاكمة في التبادلات
المالية الدولية:
قاعدة:
يُسَامَحُ فِي التَّبَرُّعَاتِ مَا لا يُسَامَحُ فِي الْمُعَاوَضَاتِ:
تُقرر
هذه القاعدة أن المعونات غير المشروطة في الكوارث تندرج تحت التبرعات، فلا يُشترط
فيها التماثل ولا التقابض ولا التبادل المالي، بل هي إحسان محض.
قاعدة:
كُلُّ قَرْضٍ جَرَّ مَنَفَعَةً فَهُوَ رِبًا:
تحكم
التمويلات المعوضة والاستثمارية، فإذا اشترطت الدولة المقرضة زيادة مالية أو فائدة
مشروطة على التمويل التبادلي حرم العقد.
قاعدة:
التَّقَابُضُ يَقُومُ مَقامَ الْحُلُولِ فِي الصَّرْفِ:
توجب
تحقق القبض المادي أو الحسابي في مبادلات العملات التبادلية السيادية منعًا لربا
النسيئة والمماطلة.
قاعدة:
الْحَرَامُ لا يَتَبَدَّلُ بِتَبَدُّلِ الأَشْخَاصِ أَوْ القَوَانِينِ:
توضح
أن تجاهل بعض الحكام والأنظمة للمعايير الشرعية وتطبيق النظم الوضعية لا يغير حكم
المعاملة؛ فما كان ربويًّا يظل ربويًّا محرمًا، وما كان معونة إغاثية يبقى عمل بر
مأجورًا.
والله
تعالى أعلى وأعلم.
روابط
ذات صلة:
النظام الدولي.. بين القوة والمظلومية