الحياة في سعادة وعافية.. استدراج أم بركة وتوفيق؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. فتحي عبد الستار
  • القسم : الابتلاءات والمصائب
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 17
  • رقم الاستشارة : 6158
21/10/2026

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أود الاستفسار عن أشخاص يعيشون حياتهم في سعادة وتيسير واستقرار، ويتمتعون بالصحة وسعة الرزق وراحة البال، ولا يكادون يتعرضون لابتلاءات ظاهرة كالأمراض أو الفقد أو الأزمات المادية والأسرية، وكأن حياتهم مثالية من جميع الجوانب.

فهل يمكن أن يكون هذا من الاستدراج، أم أنه قد يكون من البركة والتوفيق؟

وما العلامات والضوابط الشرعية التي تفرّق بينهما؟

وهل يجوز وصف شخص بعينه بأنه مستدرَج لمجرد أن حياته خالية من الابتلاءات المؤلمة؟ قال الله تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء: 35].

وأرفق قصة متداولة منسوبة إلى خالد بن الوليد رضي الله عنه، أنه طلّق زوجته لأنها لم تمرض طوال أربع سنوات، وأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال له: «كأنك أحسنت»، ويُذكر أنها في مصنف ابن أبي شيبة. فما صحة القصة بصيغتها المتداولة؟ وهل يصح الاستدلال بها على أن عدم المرض والابتلاء أمر يستدعي القلق؟

وأخيرًا، هل لا بد أن يمرّ المؤمن بابتلاءات مؤلمة في حياته، أم يمكن أن يعيش عمره في عافية وتيسير؟

وهل يكون الابتلاء بالنعم والخير أيضًا، حتى مع عدم وجود محن ظاهرة؟

أرجو الإجابة بالأدلة الصحيحة من القرآن والسنة، مع بيان أقوال أهل العلم. وجزاكم الله خيرًا.

الإجابة 21/10/2026

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، ومرحبًا بك أخي الكريم، وأشكرك على ثقتك بنا وتواصلك معنا، وأسأل الله أن يشرح صدرك، وأن يرزقك فقهًا في دينه، وأن يجعلك ممن إذا أُعطوا شكروا، وإذا ابتُلوا صبروا، وإذا أذنبوا استغفروا، وبعد...

 

فإننا نسمع في المجالس عبارتين متقابلتين: «فلانٌ مستدرَج، انظر كيف تسير أموره»، و«فلانٌ مبتلى، فالله يحبه». وكلتاهما تأخذ نصف الحقيقة وتبني عليه حكمًا كاملًا. وقد صحح القرآن هذا التصور بقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ * كَلَّا...﴾ [الفجر: 15- 17]. فالإنعام ليس إكرامًا بذاته، والتضييق ليس إهانة بذاته، وقد ردَّ الله الظنين معًا بكلمة «كَلَّا». فالمعيار شيء آخر غير ظاهر الحال.

 

استدراج أم بركة وتوفيق؟

 

الاستدراج يعني النزول بالشيء درجة بعد درجة. وقد ورد في القرآن مقيَّدًا بحال أصحابه: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: 182]، وقال تعالى: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [القلم: 44]. ثم فسَّر النبي ﷺ صورته العملية فقال: «إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب فإنما هو استدراج»، ثم تلا قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [سورة الأنعام: 44، والحديث رواه أحمد].

 

والحديث حدد ثلاثة أمور مجتمعة: عطاء من الدنيا، وإقامة على المعصية، وليس مجرد الوقوع في الذنب، ونسيان للتذكير كما في الآية، فمن سقط عنه الشرطان الأخيران، أي من كان مطيعًا ذاكرًا شاكرًا تائبًا إذا زلَّ، فلا يدخل في الحديث، ولو كانت حياته كلها سعة.

 

وفي المقابل، فإن النعمة المقرونة بالطاعة والشكر بركة وتوفيق، وهي وعد الله: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: 7]. وقال ﷺ: «عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله خير»، ثم بيَّن أن المؤمن «إن أصابته سرَّاء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضرَّاء صبر فكان خيرًا له» [رواه مسلم]. فالسراء ليست علامة خطر في حق من يشكر، بل هي باب من أبواب الخير.

 

وقد ذكر القرآن مثالين لنعمة واحدة بمصيرين مختلفين. فقارون قال: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: 78]، فكانت النعمة وبالًا عليه. وسليمان عليه السلام لما رأى عرش بلقيس بين يديه قال: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ [النمل: 40]، فكانت النعمة سُلَّمًا إلى الشكر. فالعطاء واحد، والفارق في القلب والعمل.

 

العلامات المفرِّقة بين الاستدراج والتوفيق

 

1- الحال مع الله: صاحب الاستدراج تتسع عليه الدنيا وهو مقيم على معصيته لا يتركها، فلا تزيده السعة إلا بُعدًا. وصاحب البركة حريص على الطاعة، وإن زلَّت قدمه أتبع زلَّته استغفارًا وتوبة. فالمعيار حاله مع ربه، وليس مقدار ما بين يديه.

 

2- أثر النعمة في القلب: المستدرَج تورثه النعمة غفلة وغرورًا، وينسبها إلى ذكائه وجهده وحدهما، كما قال قارون: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: 78]. وصاحب البركة تورثه النعمة شكرًا، وينسب الفضل إلى الله كما فعل سليمان عليه السلام: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي﴾ [النمل: 40].

 

3- الموقف من التذكير: المستدرَج إذا ذُكِّر أعرض عن الموعظة أو ضاق بها، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿نَسُوا۟ مَا ذُكِّرُوا۟ بِهِۦ﴾ [الأنعام: 44]. وصاحب البركة يقبل النصح ويلين له قلبه، ولا يرى نفسه فوق الموعظة.

 

4- استعمال النعمة: المستدرَج ينفق ما أُعطي من مال وخير في الشهوات والتفاخر، وقد يبخس حقوق الناس. وصاحب البركة يجعل نعمته في الطاعة وأداء الحقوق والإحسان إلى الخلق، فتكون النعمة عونًا له على الخير.

 

5- الخوف والرجاء: المستدرَج يعيش في أمنٍ كاذب من مكر الله؛ وصاحب البركة يجمع بين الرجاء في فضل الله والخوف من التقصير في شكر نعمته.

 

وهذه العلامات ميزان يضعه الإنسان لنفسه؛ لأنه وحده يعرف سرَّه وعمله. وهي لا تصلح أن يقيَّم بها الآخرون، وهذا ما أتناوله في الجواب عن سؤالك التالي.

 

هل يجوز وصف شخص بعينه بأنه مستدرَج؟

 

قطعًا لا يجوز، ولا يصح أن يقال ذلك لمجرد خلو حياة الشخص من المحن، ومن أسباب ذلك:

 

1- الاستدراج غيب بنص القرآن: فقد قال تعالى: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾، فهو أمر لا يعلمه حتى الذي يُستدرَج، فكيف يعلمه غيره؟!

 

2- الحديث يشترط ما لا يُعلم من الحال: فهو يشترط الإقامة على المعاصي، وهذه لا يعرف الناس منها إلا ما ظهر. وقد يكون من تراه منعَّمًا كثير التوبة والصدقة والدعاء في خلوته. وقد يكون من تراه مبتلى غير مستقيم.

 

3- النهي عن التزكية وسوء الظن والتألِّي على الله: قال تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم: 32]، وقال: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: 12]. وفي الصحيح أن رجلًا قال عن آخر: والله لا يغفر الله لفلان، فقال الله تعالى: «من ذا الذي يتألّى عليَّ ألا أغفر لفلان؟ إني قد غفرت له وأحبطت عملك» [رواه مسلم]. فمن قطع بمصير مسلم بعينه فقد دخل فيما اختصَّ الله ذاته -جل وعلا- بعلمه.

 

4- الابتلاء بالشر وبالخير: فقد أوردت أنت نفسك في سؤالك قول الله تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء: 35]. وقد قيل في معناها إن الشر هو الشدة، والخير هو الرخاء. فالرخاء اختبار، ومن جعل الرخاء دليل عقوبة فقد حوَّله إلى حُكم، وهذا خلاف الآية.

 

أما الذي يجوز فهو أن يخاف المرء على نفسه، وأن يتواصى مع أهله وإخوانه بشكر النعمة بالطاعة وعمل الصالحات والامتنان لله وحده. ويجوز لمن رأى مجاهرًا بالظلم مصرًّا عليه وهو في سعة، أن يذكِّره برفق ويحذِّره من الغفلة دون أن يقطع بمصيره.

 

مناقشة قصة خالد بن الوليد رضي الله عنه

 

راجعت الأثر الذي ذكرته عن خالد وعمر –رضي الله عنهما- وقد وجدته ثابتًا في أصله؛ لكن الصيغة التي ذكرتها فيها زيادات لم أجدها فيه.

 

فما رواه ابن أبي شيبة في كتاب الطلاق أن خالدًا رضي الله عنه طلَّق امرأته ثم قال: «أما إني لم أطلقها من أمرٍ ساءني، ولكن لم يصبها عندي بلاء». وذكر ابن كثير في «البداية والنهاية» في ترجمة خالد رضي الله عنه أنه طلَّق امرأة من نسائه، وبيَّن أن ذلك لم يكن عن ريبة؛ بل لأنها لم تمرض عنده ولم يصبها شيء في جسدها.

 

فلفظ «أربع سنوات» ليس في المصنف ولا في رواية ابن كثير. وقول عمر رضي الله عنه: «كأنك أحسنت» لم أجده أيضًا في أيٍّ من الموضعين ولا في غيرهما. ولا يجوز أن يُنسب إلى عمر قول لم يثبت؛ خصوصًا إذا بُني عليه حكم شرعي.

 

لذا فإنه لا يصح الاستدلال بهذا الأثر على أن العافية تستدعي القلق؛ لأسباب عدة:

 

1- هذا أثر (إن ثبت وصحَّ) عن صحابي في تصرف شخصي، وليس حديثًا مرفوعًا ولا إجماعًا. وفعل الصحابي الواحد لا يُقدَّم على النصوص العامة، ولا يُنشئ حكمًا عامًّا.

 

2- لم يقل خالد رضي الله عنه إن العافية استدراج، ولا إن الإنسان يجب أن يقلق منها! وقد بيَّن أنه لم يطلِّق لأمر ساءه، وهذا نفيٌ لأي اتهام للمرأة.

 

3- النصوص الشرعية الصحيحة تدل على خلاف ما يُستنبط من هذا الأثر، فقد أمرنا النبي ﷺ: «سلوا الله العفو والعافية، فإنه لم يُؤتَ أحد بعد اليقين خيرًا من العافية» [رواه الترمذي]. وعلَّم عمَّه العباس رضي الله عنه أن يسأل الله العافية في الدنيا والآخرة [رواه الترمذي].

 

4- طلاق الزوجة لمثل هذا السبب يخالف توجيه القرآن والسنة في حُسن العشرة: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 19]. وقال ﷺ: «لا يفرك مؤمنٌ مؤمنة، إن كره منها خُلُقًا رضي منها آخر» [رواه مسلم]. فلو سُلِّم أنه فهم خاص من خالد فلا يلزم غيره، ولا يُقتدى به في طلاق زوجة سليمة!

 

هل لا بد أن يمر المؤمن بابتلاءات مؤلمة؟

 

إن الابتلاء يا أخي سُنة ربانية كونية لا يستثنى منها أحد. قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ [الملك: 2]، وقال: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد: 4]، وقال: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 155].

 

والابتلاء أوسع مما نتصور، فقد قال ﷺ: «ما يصيب المسلم من نَصَبٍ ولا وصَبٍ ولا همٍّ ولا حزنٍ ولا أذى ولا غمٍّ، حتى الشوكة يُشاكها، إلا كفّر الله بها من خطاياه» [متفق عليه]. فالهم والغم والفقد ابتلاءات، وربما تكون حياة من تراه «مثاليًّا» مليئة بما لا تراه من هموم وفقد وصراع داخلي.

 

أما الابتلاء بالمحن الظاهرة الشديدة، من مرض عضال أو مصاب كبير، فلا يلزم كل مؤمن. وليس في الشرع أن من لم يُصَب بها يكون ناقص الإيمان أو مغضوبًا عليه. فقد جاء في الحديث: «إذا أراد الله بعبده الخير عجَّل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد بعبده الشر أمسك عنه بذنبه حتى يوافي به يوم القيامة» [رواه الترمذي].

 

وجاء كذلك: «أشدُّ الناس بلاءً الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يُبتلى الرجل على حسب دينه» [رواه الترمذي]، ومعناه ما يقع لهؤلاء من رفع الدرجات، وليس معناه أن كل صالح لا بد من أن يُبتلى بالمرض، ولا أن كل معافًى ناقص الدين!

 

وفي حديث آخر ربط بين عِظَم الجزاء وعِظَم البلاء، وبيَّن أن الله إذا أحبّ قومًا ابتلاهم، ثم قال: «فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط» [رواه الترمذي]. فالمعيار هو موقف العبد من البلاء، وليس مجرد وقوعه فيه أو غيابه.

 

ثم إن الشرع نهى عن تمني البلاء، فقد قال ﷺ: «لا تتمنَّوا لقاء العدو، وسلُوا الله العافية» [متفق عليه]. وزار النبي ﷺ رجلًا أنهكه المرض، وكان قد دعا أن يعجِّل الله له عقوبته في الدنيا، فقال له: «سبحان الله، لا تطيقه»، وأرشده إلى دعاء: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [رواه مسلم]. وجاء في فضل العافية والأمن والكفاف: «من أصبح منكم معافًى في جسده، آمنًا في سربه، عنده قوتُ يومه، فكأنما حِيزت له الدنيا» [رواه الترمذي].

 

الخلاصة يا أخي، أنه يمكن للمؤمن أن يعيش عمره في عافية وسعة وتيسير، مع ما لا يخلو منه بشر من هموم وفقد وموت، وليس في ذلك ما يعاب. وهذه نعمة تُسأل ويُشكر عليها.

 

هل يكون الابتلاء بالنعم والخير أيضًا؟

 

نعم، وهو من أخطر أنواع الابتلاء؛ لأنه لا يشعر به صاحبه. وأدلته من الوحي كثيرة، فقد قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: 35]، وقال تعالى على لسان سليمان عليه السلام: ﴿لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ [النمل: 40]، وقال جل شأنه: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [الأنفال: 28]، وقال النبي ﷺ: «فوالله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تُبسط عليكم الدنيا كما بُسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم» [متفق عليه]. وقال أيضًا ﷺ: «إن الدنيا حلوةٌ خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون» [رواه مسلم].

 

وروى لنا ﷺ قصة الثلاثة من بني إسرائيل: الأبرص والأقرع والأعمى؛ إذ أرسل الله إليهم ملَكًا يختبرهم بالنعمة بعد أن شفاهم وأغناهم. فشكر الأعمى، وأنكر الآخران، فسُلبا ما أعطيا [متفق عليه].

 

وختامًا يا أخي، أنصحك بأن تغير سؤالك، فبدلًا من أن تقول: «هل فلان مستدرَج؟» قل: «ما الذي فعلتُ أنا بنعم الله عليَّ». فالقول الأول لا يفيدك ولا يفيده، والثاني يقربك إلى ربك.

 

كما أنصحك بتقوية شعور الامتنان لله عز وجل بتذكر نعمه عليك دائمًا، وشكره عليها بالإنفاق من هذه النعم، مالًا أو علمًا أو مكانة، وألا تُصِر على ذنب مهما صغر، فإن وقعت في زلل فاستغفر في الحال وأتبعه بحسنة، وانظر للمبتلى نظرة رحمة حامدًا الله على العافية، واسأله سبحانه دوام العافية والثبات، وأن يعينك على الشكر عند الرخاء وعلى الصبر عند الشدة.

 

وأؤكد على أن الحكم على الأشخاص هو شأن الله وحده، وما علينا إلا أن نراقب أنفسنا ونحسن الظن بغيرنا.

 

اللهم إنا نسألك العافية في الدنيا والآخرة، ولا تجعل نعمك علينا استدراجًا ولا فتنة. اللهم اجعلنا ممن إذا أُعطوا شكروا، وإذا ابتُلوا صبروا، وإذا أذنبوا استغفروا. اللهم لا تؤمِّنا مكرك، ولا تقنِّطنا من رحمتك. وارزقنا حسن الظن بعبادك، واحفظ ألسنتنا من الحكم على خلقك بغير علم، وبصِّرنا بعيوب أنفسنا. وصلِّ اللهم وسلِّم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

روابط ذات صلة:

ماله ونجاحه يزيدان رغم تقصيره.. إمهال أم استدراج؟

التعليقات

الرابط المختصر :