الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : السياسة الشرعية
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
20 - رقم الاستشارة : 5806
13/09/2026
ما الموقف الشرعي من ظاهرة "السياحة الجيوسياسية" في المناطق المنكوبة أو الخاضعة للاحتلال، وهل تُعد إعانة للمعتدي أم كشفاً للحقائق؟ بحيث يقوم بعض المسلمين بزيارة الأراضي الواقعة تحت الاحتلال بدعاوى وذرائع مختلفة، فهل الحكم فيهم سواء؟
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،
وبعد:
فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، تُعد
ظاهرة ما يُعرف بـ "السياحة الجيوسياسية" أو السياحة التضامنية
الاستعراضية في المناطق المنكوبة والخاضعة للاحتلال نازلة معاصرة تتقاطع فيها
أحكام السياسة الشرعية، وفقه الجهاد، وحماية سيادة المستضعفين. وإن الناظر في هذه
الظاهرة يجدها تثير إشكالات كبرى تتعلق بمدى التمييز بين النية الذاتية للزائر
والأثر الواقعي لتلك الزيارة على الأرض، وما إذا كانت تسهم في تطبيع الاحتلال
وتثبيته أم تشكل اختراقًا نافعًا لنقل الحقيقة وفك العزلة.
اختصارًا: الأصل
الحاكم لزيارة الأراضي المحتلة ومناطق النزاع والاحتلال هو الحظر والمنع متى كانت
تلك الأراضي تحت سيطرة محتل غاصب، لما في ذلك من تثبيت لشرعيته وإنعاش لاقتصاده
وتطبيع مع مواقفه الظالمة، غير أن الأحكام تختلف باختلاف المقاصد والآثار؛
فالسياحة الترفيهية أو الاستكشافية المجردة في ديار المحتل محرمة، بينما الزيارة
الموثقة لكشف جرائم الاحتلال كالمراسلين والصحفيين أو تقديم إغاثة إنسانية ضرورية
كالطواقم الطبية وعمال الإغاثة، فيرتبط جوازها بالضوابط الشرعية الدقيقة التي
توازن بين المفسدة والمصلحة الراجحة، ولا يستوي الحكم في الجميع بل يدور تبعًا
للمقاصد والمآلات.
وتفصيلاً:
الإجماع
الفقهي المعاصر على الحظر العام: ذهبت دور الإفتاء وهيئات كبار
العلماء ومجامع الفقه الإسلامي المعاصرة كالمجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، وهيئات
الفتوى في فلسطين وغيرها إلى تحريم زيارة الأراضي الفلسطينية المحتلة وخاصة القدس
في ظل الاحتلال الإسرائيلي تحت لافتة "السياحة" أو "الزيارة
المجردة"، واعتبروا ذلك إعانة للمعتدي وتثبيتًا لكيانه وتطبيعًا محرمًا يفرز
مفاسد عظيمة على القضية المركزية للأمة.
التفصيل
في أهداف الزيارات وحكم كل هدف منها:
السياحة
الترفيهية أو الاستكشافية البحتة: محرمة قطعًا؛ لكونها تتطلب الحصول
على تأشيرات واختام من سلطة الاحتلال الغاصب، فضلاً عما تتضمنه من ضخ أموال في
اقتصاد المحتل، والتسليم بقراراته السيادية على أرض مغتصبة.
الزيارة
بقصد التطبيع الثقافي أو الرياضي أو الفني: محرمة تحريمًا
مؤكدًا؛ لأنها تسعى لدمج المحتل في المحيط الإسلامي والعربي وإزالة الحاجز النفسي
والشرعي لرفض الاحتلال، وهي من باب الإعانة على الباطل.
زيارة
التضامن السياسي والإعلامي لكشف الحقائق وتوثيق الجرائم: تختلف
فيها الأنظار؛ فمن العلماء من أجازها بشرط ألا يكون فيها خضوع لسلطة المحتل أو
خدمة لمصالحه، وأن تكون تحت إشراف جهات محلية معتبرة لتوثيق الانتهاكات وفضح
الاحتلال عالميًّا، بينما شدد آخرون في منعها مطلقاً سدًّا للذرائع ومنعًا
لاستغلال الزائر كـ "محلل سياسي" يمنح شرعية زائفة للمحتل بوجود هامش
حرية مزعوم.
الزيارة
للإغاثة الإنسانية العاجلة أو تقديم الدعم الطبي المباشر: واجبة وجوبًا كفائيًّا، متى تعينت طريقًا لإنقاذ الأرواح وتثبيت الصامدين في
ديارهم، بشرط ألا تؤدي إلى مفاسد أكبر كالتجسس أو التمكين للمحتل.
القواعد
الفقهية الحاكمة في حكم السياحة في مناطق
الاحتلال:
قاعدة
درء المفاسد أولى من جلب المصالح: تقديم مفسدة تثبيت المحتل وإضفاء
الشرعية عليه على مصلحة الاستكشاف أو السياحة الفردية.
قاعدة
ما أدى إلى الحرام فهو حرام سدًّا للذرائع: منع السياحة
الجيوسياسية المجردة؛ لأنها تفضي غالبًا إلى التطبيع والانتعاش الاقتصادي لكيان
غاصب.
قاعدة
التصرف على الرعية منوط بالمصلحة: تقييد حرية التنقل والسفر بما
يحفظ حقوق الأمة العليا ويمنع استغلال الأفراد من قِبل الخصوم والمعتدين.
قاعدة
الضرورات تبيح المحظورات بشرطها: استثناء حالات الإغاثة الإنسانية
والتوثيق الحقوقي الضروري الذي لا يقوم به غير الزائر، بقدر ما يرفع الحرج ويحفظ
المستضعفين. والله تعالى أعلى وأعلم
روابط
ذات صلة: