الشعور بانغلاق القلب.. برنامج عملي لفتوحات مضيئة

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. فتحي عبد الستار
  • القسم : الفتور والضعف
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 289
  • رقم الاستشارة : 3164
03/11/2025

أشعر بأنني فقدت الإحساس بطعم العبادات، أصلي وأذكر الله، لكن كأن قلبي مُغلق. لا أرتكب ذنوبًا كبيرة، لكني أشعر بالتيه والبرود.

هل هذا فتور طبيعي؟ أم علامة ضعف إيمان؟ وكيف أُعيد الحيوية لعلاقتي بالله؟

الإجابة 03/11/2025

مرحبًا بك يا ابنتي، وأسأل الله العلي القدير أن ينير بصيرتك، ويشرح صدرك، ويعيد لقلبك حلاوة الإيمان ونور الطاعة، وأن يكتب لك السعادة والسكينة في الدنيا والآخرة، وبعد...

 

فإن القلب البشري سُمِّيَ قلبًا لتقلُّبه. وقد روي أن رسول الله قال: «إنما مثل القلب كمثل ريشة في فلاة، تعلقت في أصل شجرة، تُقلبها الرياح ظهرًا لبطن» [رواه الطبراني]. فكون القلب يمر بفترات من النشاط والهمة، وأخرى من الفتور والهدوء، فهذا جزء من طبيعته البشرية.

 

وقال ﷺ: «إن لكل عمل شرة، ولكل شرة فترة، فمن كانت فترته إلى سنتي، فقد اهتدى، ومن كانت فترته إلى غير ذلك، فقد ضل» [رواه أحمد]. والشِّرَّة هي النشاط والقوة، والفترة هي الهدوء والفتور. هذا الحديث يؤكد أن المهم هو الوجهة التي نأخذها في فترة الفتور؛ هل نترك العبادة بالكلية أم نتمسك بالحد الأدنى من السنَّة؟

 

فلا تستسلمي لهذا الشعور، بل اتخذيه جرس إنذار يدعوك للوقوف مع الذات، وتجديد المسار.

 

إن الفتور هو حالة عارضة، تنشأ لأسباب، منها:

 

* الرتابة والملل: عندما تصبح العبادات روتينًا يوميًّا خاليًا من الروح والتجديد، كأننا نقوم بحركات آلية، فيتكيف العقل والقلب مع الروتين، ويقل تفاعله.

 

* الإرهاق النفسي والجسدي: قد تكونين مرهقة من ضغوط الحياة، والعمل، أو المسؤوليات الاجتماعية. هذا الإرهاق يستهلك الطاقة، ويستنزف القلب.

 

* ضعف الإيمان: قد يكون شعورك بالتيه والبرود علامة على ضعف، لكنه غالبًا يكون ضعفًا في جودة العلاقة مع الله؛ لا في أصل الإيمان، والدليل أنك لا تزالين تصلِّين وتذكرين الله.

 

* تراكم صغائر الذنوب: أنتِ تقولين: «لا أرتكب ذنوبًا كبيرة»، وهذا فضل من الله، لكن قد تكون صغائر الذنوب المتكررة، أو ذنوب الخلوات، أو الغفلة عن تدقيق الحلال والحرام في المعاملات، قد أغلقت منافذ القلب. قال أحد السلف: «الذنب على الذنب يميت القلب».

 

* زحام الدنيا في القلب: الانشغال المفرط بالماديات، أو تتبع أخبار الناس، أو الإفراط في المباحات، يملأ مساحة القلب المخصصة لله. قال الله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ [الأحزاب: 4]. فإذا امتلأ القلب بهموم الدنيا، ضاقت مساحة القرب الإلهي.

 

* غياب النية: العبادة دون استحضار لنية القرب، واستشعار لعظمة المعبود، تصبح مجرد أداء لا روح فيه.

 

كيف تُعيدين الحيوية لعلاقتك بالله؟

 

1. التجديد

 

غيِّري مكان صلاتك أو قراءتك، أو هيِّئي زاوية لهما تكون هادئة ومريحة في البيت. فمجرد التغيير البصري يكسر حاجز الملل. غيِّري السور التي تقرئينها في الصلاة، واقرئيها بتدبر وتفكُّر.

 

اجتهدي في عبادة لم تكوني مواظبة عليها، أو لم تؤديها من قبل، كصلاة الضحى، أو قيام الليل ولو بركعتين، أو كفالة يتيم... إلخ. فطعم العبادة الجديدة يمنح القلب حماسًا متجددًا.

 

ادعي الله بأسمائه الحسنى التي تتناسب مع حالتك، كأن تدعي باسمه الودود ليُعيد الود لقلبك، أو الهادي ليهديك إلى اليقين.

 

2. الكيف لا الكم

 

ركِّزي في تلاوتك وذِكرك وعباداتك عمومًا على الكيف، لا الكم، فبدلاً من أن تقرئي جزءًا كاملًا من القرآن دون وعي، اقرئي بضع آيات وتوقفي عندها، تفكري فيها، وتدبريها، وعيشيها، واسألي نفسك: ما أثر هذه الآيات في حياتي الآن؟ يقول الله تعالى: ﴿كتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْك مُبَارَك لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: 29]. فالتدبر هو مفتاح البركة والحياة.

 

في صلاتك، تذكَّري أنها لقاء مع أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين. عندما تقولين: «الله أكبر»، استشعري أن كل ما في الدنيا أصبح صغيرًا أمام عظمة خالقك. وفي السجود، لا تكتفي بـ«سبحان ربي الأعلى»؛ بل ناجي ربك بكل ما في قلبك. قال النبي ﷺ: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء» [رواه مسلم].

 

والشيء نفسه مع الذِّكر، من خلال استحضار المعاني، فمثلًا عندما تقولين: «لا إله إلا الله» استشعري أنه لا معبود يُقصد أو يُرجى إلا هو سبحانه، ومع قول «سبحان الله وبحمده» استشعري تنزيه الله -جل وعلا- عن كل نقص.

 

3. تنقية الوعاء

 

وأقصد بالوعاء هنا القلب، وتنقيته تكون بالتفتيش عن صغائر الذنوب: ابحثي عن أي تقصير في حق الوالدين، أو غيبة، أو نظرة محرمة، أو تأخير للصلاة، أو أي معاملة لم تكن خالصة لوجه الله. ثم أتبعي السيئة الحسنة تمحها.

 

اجعلي التوبة ليست مجرد ندم، بل احتفال بالعودة إلى الله، فهو سبحانه يفرح بتوبتك. قال النبي ﷺ: «لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ، مِنْ أَحَدِكمْ كانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلَاةٍ، فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَأَيِسَ مِنْهَا، فَأَتَى شَجَرَةً فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ، فَبَيْنَا هُوَ كذَلِك إِذَا هُوَ بِهَا قَائِمَةً عِنْدَهُ، فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا، ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ: اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْ1دِي وَأَنَا رَبُّك! أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ» [رواه مسلم].

 

ابحثي عن صحبة تُعينك على الذِّكر والعبادة، يقول الله عز وجل: ﴿واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ والْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ ولا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا ولا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا واتَّبَعَ هَوَاهُ وكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: 28].

 

وختامًا يا ابنتي، اعلمي أن الطريق إلى الله ليس صاعدًا دائمًا بلا عوائق؛ بل فيه صعود وهبوط، وقبض وبسط. المهم هو أن تبقي مُمسكة بالخيط، ولا تنقطعي.

 

كان أحد الأئمة يشعر في فترة من حياته ببرود في طلب العلم والعبادة، فمر بحداد يطرق قطعة من الحديد، فكان يضعها في النار حتى تحمر، ثم يطرقها، وهكذا مرارًا، حتى أخذت شكلها المطلوب. فقال الإمام لنفسه: «يا قلب، أتأبى أن تلين وتتشكل إلا بمثل هذا التكرار والحرق؟!» فعاد بقلبٍ جديد.

 

أنتِ الآن في مرحلة «الطرق والتسخين»، فكرري محاولاتك، واستمري في الإلحاح على الله، وتذكري أن الله لا يمل حتى تملِّي.

 

استعيني بالله ولا تعجزي. وثقي أن الله سيُعيد لقلبك الحياة، وتوقعي ذلك بيقين في قوله سبحانه: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيك رَبُّك فَتَرْضَى﴾ [الضحى: 5].

 

روابط ذات صلة:

فقدت لذة العبادة وأشعر بالفتور.. كيف أعود؟

هل التقلب بين الطاعات والفتور دليل على ضعف الإيمان؟

شغف الكمال وطموح الروح وحدود الواقع.. أزمة التذبذب

العبادات الآلية الشكلية.. كيف نعيد الروح إليها؟

الرابط المختصر :