الإستشارة - المستشار : أ. فتحي عبد الستار
- القسم : الفتور والضعف
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
24 - رقم الاستشارة : 5955
26/09/2026
السلام عليكم..
أنا بنت عمري 24 سنة، تخرجت تقريبًا من سنة من كلية عملية، ومن وقتها وأنا قاعدة بالبيت بين أربع حيطان. ما الله وفقني ألاقي فرصة شغل، ولا حدا إجا تقدم لخطبتي لسه. عايشة بروتين يومي بيموّت، وشعور عم بيزيد كل يوم إني عاجزة ومش قادرة أنجز أي إشي يُذكر.
مشكلتي اللي مخنوقة منها تتعلق بأختي الصغيرة (عمرها 20 سنة)، وهي كمان بتدرس بكلية عملية. أختي ما شاء الله عندها قبول عجيب؛ حافظة أجزاء كثيرة من القرآن، ومواظبة على النوافل، غير إنها عاقلة ولطيفة بتعاملها. بأغلب القعدات العائلية بتكون هي المحور والاهتمام كله إلها، وأمي وأبوي والقرايب ما بيبطلوا يمدحوا بأخلاقها ونجاحها.
بالمقابل، أنا حاسة حالي ضايعة ومترددة؛ إيماني بيمر بفتور شديد، ويادوب بالغصب بقدر أحافظ على الصلوات المفروضة. كل ما أسمعهم بيمدحوا فيها وأنا قاعدة، أو أشوف نظرات الفخر بعيون أهلي لما يحكوا عنها مقابل نظرات العتاب أو الشفقة اللي بشوفها بعيونهم إليّ بحس قلبي بيتعصر من الضيق.
أنا والله ما بتمنى تروح النعمة منها، وبحلف إني ما بدي إلها إلا كل خير، بس بنزوي بغرفتي وببكي بحرقة؛ لأني بحس إنها متفوقة عليّ بكل إشي بالحيّاة: بالدين، والقبول، والتوفيق، وحتى بمحبة الناس. بتألم من جواتي وبخاف كثير تكون هي المشاعر نوع من الحسد أو الغل اللي بيغضب ربنا عليّ وبيضيع حسناتي.
فهل مجيء هالمشاعر لقلبي مع إني بحاول أبعدها يعتبر دليل على نقص إيماني؟ ولا هو شعور إنساني طبيعي ناتج عن الفراغ والمقارنة اللي عايشتها؟
وكيف أنظف قلبي تمامًا من هالغيرة المكتومة، وأوصل لمرحلة الرضا التام والاطمئنان بدون ما أنكسر من جوّا؟
وكيف أرجع أثق بنفسي وأتجاوز الشعور بإني متأخرة بكل إشي؟
وجزاكم الله عني كل خير.
وعليكم
السلام ورحمة الله وبركاته، ومرحبًا بك يا ابنتي، وأشكرك على ثقتك بنا وتواصلك
معنا، وعلى شجاعتك في طرح ما يجول في صدرك؛ فهذه أولى خطوات العلاج والتعافي بإذن
الله. أسأل الله أن يربط على قلبك، وأن يصبَّ عليك السكينة والرضا صبًّا، وأن يفرج
همَّك، ويزيل كربك، ويفتح لك أبواب التوفيق والقبول في الدين والدنيا والآخرة، وأن
يرزقك الزوج الصالح والعمل النافع، ويجعل بينك وبين أختك مودة ورحمة لا تنقطع،
وبعد...
فدعيني
أطمئنك بدايةً بأن ألمك وخوفك من هذه المشاعر هما أكبر دليل على رفعة ونقاء
سريرتك؛ وسعيك لتطهير قلبك، وهذا جهاد للنفس يحبه الله تعالى، ويأجرك عليه.
هل
هذه المشاعر تعد نقصًا في الإيمان؟
ابنتي
العزيزة، هذه المشاعر في أصلها ليست دليلًا على نفاق ولا نقص إيمان، ولا خبث نفس؛
بل هي عَرَض طبيعي لضغط نفسي وإنساني شديد تُعانين منه. فمجرد ورود هذا الضيق على
قلبك مع محاولتك دفعه وبكائك خوفًا من الله، يُسمى «خاطرًا» أو «حديث نفس»، والله
عز وجل بعفوه ورحمته لا يحاسبنا على ما يهجم على قلوبنا دون إرادة منا، ما دمنا
نكرهه وندافعه. قال النبي ﷺ:
«إن الله تجاوز لأمتي ما حدَّثت به أنفسها ما لم تتكلم أو تعمل» [صحيح البخاري].
التمييز
بين الحسد والمقارنة
الحسد
المذموم هو تمني زوال النعمة عن الغير، أو الفرح بمصيبتهم. وأنت أقسمت أنك لا
تتمنين زوال النعمة عن أختك؛ بل تتمنين لها كل خير. فالمشاعر التي تصيبك هي خليط
من «الغِبْطة» التي هي تمني ما لدى الغير دون زواله عنه، وشعور زائف بالنقص. أنت
لا تبكين لأن أختك متميزة؛ بل تبكين لأنك ترين نفسك في مكانة أقل، وهذا ألم إنساني
محض، ناتج عن بؤرة المقارنة التي وُضِعتِ فيها.
ثلاثية
الفراغ والمقارنة والفتور
إن
عقلك وقلبك حاليًّا يعيشان في غرفة مغلقة؛ فالتخرج يعقبه فراغ كبير، والجلسة بين
أربعة جدران تسلب الإنسان شعوره بالإنجاز، ومع وجود الفتور الإيماني تصبح النفس
أرضًا خصبة للشيطان ليزرع فيها الحزن والضيق. وقد قيل: «ما خلا جسد من حسد، ولكن
اللئيم يبديه والكريم يخفيه». فلا تجلدي ذاتك، ولا تظني أنك سقطت من عين الله؛ بل
أنت في ابتلاء تحتاجين بعض الاجتهاد لتجاوزه.
خطوات
عملية لتطهير قلبك
1-
الدعاء لها والثناء عليها: فكلما شعرتِ بضيق أو غيرة تجاه أختك، قومي
فورًا بفعل إيجابي معاكس لصالحها. مثل الدعاء بظهر الغيب لها، مثلًا: أن يرزقها
الله أعلى الدرجات، وأن يحفظ عليها دينها. فعن النبي ﷺ أنه قال: «دعوة المرء المسلم لأخيه بظهر
الغيب مستجابة، عند رأسه ملك موكل كلما دعا لأخيه بخير، قال الملك الموكل به: آمين
ولك بالمثل» [رواه مسلم]. فحين تدعين لها تصفعين الشيطان، وتكسرين حدة النفس
الأمارة بالسوء، ويأتيك من الخير الذي دعوت بها لها مثله.
أيضًا
حبذا لو قدمت لها هدية من شيء تحبه، أو أثنيت عليها أمام أهلك بصدق. فالنفس إذا
أُرغِمت على التواضع والإحسان خضعت واستكانت.
2-
فهم حكمة توزيع الأرزاق: اعلمي أن الله عز وجل يوزع الأرزاق بين
عباده بحكمة بالغة؛ فقد يُعطي أحدًا القبول والقرآن مثلًا، ويُعطي الآخر الصبر
والقلب الخاشع، ويُعطي ثالثًا المال أو التوفيق في العمل. فنجاح أختك لا ينقص من
رزقك شيئًا! فرزقك في الزواج، والعمل، والدين، مكتوب ولن يأخذه غيرك. يقول الله
تعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ
وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهم بَعْضًا
سُخْرِيًّا ۗ وَرَحْمَتُ رَبِّك خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [سورة الزخرف: 32].
3-
سلامة الصدر طريق الجنة: تذكَّري قصة الصحابي الذي قال عنه النبي رضي
الله عنه ثلاث مرات أنه من أهل الجنة، فلما تبعه عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي
الله عنهما- ليعرف سر عبادته، لم يجد عنده كثرة صلاة ولا صيام، فسأله عن ذلك، فقال
الصحابي: «ما هو إلا ما رأيت، غير أني لا أجد في نفسي لأحد من المسلمين غشًّا ولا
أحسد أحدًا على خير أعطاه الله إياه» [رواه النسائي]. فسلامة الصدر تمنح صاحبها
طمأنينة الدنيا وجنة الآخرة.
كيف
تعيدين الثقة بنفسك
1-
الخروج من فخ المقارنة: أكبر خطأ تقعين فيه هو المقارنة بين
«داخلك المنهار» و«خارج أختك المشرق»؛ فأنت ترين الثمار التي تجنيها أختك دون أن
ترَي عملها واجتهادها، وترين نقصك عنها ولا ترين إمكانياتك التي ميزك الله بها عن
غيرك.
قد
تكون أختك متفوقة في حفظ القرآن، بينما تكونين أنت قادرة على الإبداع في مجال آخر
لم تكتشفيه بعد.
2-
القليل الدائم: لا تتوقعي من نفسك، ولا تجبريها على قفزة مفاجئة
لتصبحي مثل أختك؛ فهذا يورث الانتكاس واليأس، بل ابدئي بالقليل ثم استزيدي مع
الوقت. حافظي على الصلوات الخمس في أوقاتها، واجعلي لك وردًا يوميًّا من القرآن
مهما كان قليلًا؛ لكن لا تتركيه. وداومي على أذكار الصباح والمساء والأحوال، وعلى
الاستغفار والدعاء؛ فالأذكار هي خط الدفاع الأول لترميم روحك، وإبعاد وساوس
الشيطان عنك. فعن النبي ﷺ أنه قال: «أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل» [صحيح البخاري].
3-
شغل الفراغ والتجديد: العزلة والفراغ والجلوس بين أربعة جدران
هو السم القاتل للثقة بالنفس. ويجب أن يتغير هذا الواقع فورًا. طوري مهاراتك
بالتسجيل -مثلًا- في دورات عبر الإنترنت في أي مجال تحبينه أو يرتبط بتخصصك.
لا
تنتظري الوظيفة المثالية؛ بل ابحثي عن أي عمل مناسب؛ ولو كان عملًا تطوعيًّا
مبدئيًّا حتى تجدي الأفضل، فالحركة تجلب البركة وتجدد الطاقة، وتشعرك بالإنجاز.
خصصي
بعض الوقت يوميًّا للمشي أو التمارين المنزلية؛ فالرياضة تفرز هرمونات تساعد النفس
على الخروج من حالة الكآبة.
4-
التعامل الواعي مع كلام الأهل: عندما يمدح أهلك أختك، لا تتلقي
كلامهم على أنه موجه لإهانتك والتقليل منك؛ بل شاركيهم المدح مبتسمة، وقولي عن
أختك: «ما شاء الله. الله يحفظها ويبارك فيها». فهذا التصرف يُسقط عنك نظرات
العتاب أو الشفقة، ويظهرك بمظهر الراقية الواثقة من نفسها، ومع الوقت ستتغير
نظرتهم لك حين يرونك تجتهدين في طريقك الخاص.
وختامًا
يا ابنتي، إن الحياة ليست سباقًا قصيرًا؛ بل هي طريق طويل. وقد تكون أختك قد سبقتك
في مسافة منه، ولكن الله يعلم أين ومتى سيفتح لك أبواب فرجه، فتسبقين وتتفوقين.
فثقي بنفسك، واخرجي من قوقعة الألم، وابدئي اليوم خطوة صغيرة نحو استعادة حياتك
وثقتك بنفسك، وستجدين أن قلبك بدأ يستعيد عافيته ونوره شيئًا فشيئًا.
أسأل
الله أن يشرح صدرك، وييسر أمرك، ويفرغ على قلبك سكينة من عنده، ويطهِّر قلبك من كل
غل وحسد، ويبدل حزنك فرحًا، وعجزك قوة، وفتورك همة ونشاطًا، وأن يرزقك من حيث لا
تحتسبين، ويفتح لك أبواب الرزق والعمل الصالح، ويهب لك زوجًا صالحًا تقر به عينك،
وأن يجعلك وأختك من المتحابين فيه، المترفعين عن وساوس الشيطان، وصلِّ اللهم
وسلِّم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
روابط
ذات صلة:
تغار من حافظات القرآن والمؤثرات اجتماعيًّا.. لا شيء مجَّاني!