حكم اشتراط البنك على نفسه ضمان رأس المال دون طلب المودع

الإستشارة 23/08/2026

وضعت مالي في حساب توفير بإحدى المصارف الإسلامية، وفي نهاية العام حقق البنك أرباحاً ووزعها على المشتركين، لكنني اكتشفت أن البنك يضمن للمودعين رأس مالهم بالكامل في حال الخسارة تشجيعاً لهم؛ فهل شرط "ضمان رأس المال" في عقود المضاربة والاستثمار يقلب المعاملة إلى قرض ربوي يبطل الأرباح؟

الإجابة 23/08/2026

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:


فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، واعلم حفظك الله ورعاك أن عقود الاستثمار في الشريعة الإسلامية تقوم على مبدأ المضاربة الشرعية؛ حيث يقدم المودع (رب المال) المال ويتولى البنك (المضارب/ العامل) استثماره، وتتوزع الأرباح بينهما بنسب معلومة. والضابط الشرعي الأصيل لجواز هذه الأرباح هو توزيع المخاطرة الناتجة عن المضاربة؛ بحيث يتشارك الطرفان في المكسب والخسارة، وفق الأحكام الشرعية دون تحييد للمخاطرة لطرف دون آخر.


اختصارًا: لا يجوز في شركة المضاربة أن يضمن المضارِب (كشرط) رأس مال المضاربة بصورة مطلقة في حالة الخسارة، ولا يجوز تقديم ضمانات من المضارِب لكي تستخدم في الاستيفاء منها إلا في حال التعدي أو التقصير أو مخالفة تعليمات رب المال.


على أنه لا مانع من تحمل المضارِب للخسارة أو لجزء منها إذا حدثت في حينه، كمبادرة منه دون اشتراط أو إلزام مسبق.


فاشتراط البنك ضمان رأس المال للمودع في حالة الخسارة يبطل عقد المضاربة ويقلب المعاملة حكماً إلى قرض ربوي.


حكم الأرباح الموزعة: الأرباح المقبوضة بناءً على عقد يتضمن ضمان رأس المال تعد أرباحاً غير شرعية؛ لأن المال المضمون أخذ حكم القرض، وكل قرض جر نفعاً فهو ربا.


الواجب الشرعي: يستحق المودع رأس ماله كاملاً فقط، ويجب عليه التخلص من الأرباح الناتجة عن فترة الضمان بصرفها في أوجه الخير والمصالح العامة من غير نية الصدقة، مع وجوب تصحيح العقد مع البنك بإلغاء شرط الضمان أو نقل المال إلى مصرف يلتزم بأحكام الشريعة.


وتفصيلا:


جاء في فتاوي ندوات البركة بشأن طلب تقديم الكفيل أو الضمان على المضارب أو الشريك: "اشتراط تقديم الكفيل أو الضمان على المضارب أو الشريك جائز شرعا لضمان التعدي أو التقصير وقررت اللجنة أن شرط ضمان العامل ينافي مقتضى العقد فلا يجوز".


وقال الإمام مالك في الموطأ: فإذا كان المضارب أمينا، واشتراط الضمان على الأمين باطل، إذن اشتراط الضمان على المضارب باطل، والباطل فاسد.

وقال ابن قدامة: «متى شرط على المضارب ضمان المال، أو سهما من الوضيعة، فالشرط باطل، لا نعلم فيه خلافا».


وقد قرر مجمع الفقه الإسلامي الدولي القرار رقم 30 - 5/4: « ليس هناك ما يمنع شرعًا من النص في نشرة الإصدار أو صكوك المقارضة على وعد طرف ثالث منفصل في شخصيته وذمته المالية عن طرفي العقد بالتبرع بدون مقابل بمبلغ مخصص لجبر الخسران في مشروع معين، على أن يكون التزامًا مستقلًا عن عقد المضاربة، بمعنى أن قيامه بالوفاء بالتزامه ليس شرطًا في نفاذ العقد وترتب أحكامه عليه بين أطرافه، ومن ثم فليس لحملة الصكوك أو عامل المضاربة الدفع ببطلان المضاربة أو الامتناع عن الوفاء بالتزاماتهم بها بسبب عدم قيام المتبرع بالوفاء بما تبرع به، بحجة أن هذا الالتزام كان محل اعتبار في العقد».

وبالتالي فهناك مخارج شرعية معتمدة لطمأنة صاحب رأس المال، لكن بلا شرط في أصل عقد المضاربة.


القواعد الفقهية الحاكمة


«الخراج بالضمان»: استحقاق الربح والنماء مرتبط بتحمل تبعة التلف والهلاك التجاري غير المتعمد.


«الغُرم بالغُنم»: لا يجوز الحصول على كسب مالي دون تحمل المخاطرة التجارية المشروعة.


«كل قرض جرّ نفعاً فهو ربا»: تحول العقد من مضاربة إلى قرض مضمون تجعل أي فائدة أو ربح عائد للمقرض زيادة ربوية.


«العبرة في العقود للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني»: تسمية الحساب "توفيراً إسلامياً" لا تغير من حقيقته أنه قرض ربوي طالما اقترن بشرط ضمان أصل المال. والله تعالى أعلى وأعلم.


روابط ذات صلة:

التعليقات

الرابط المختصر :