تثوير القرآن.. معناه والفائدة منه

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
  • القسم : علوم القرآن والحديث
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 594
  • رقم الاستشارة : 3810
12/01/2026

نسمع كثيرًا عن مصطلح تثوير القرآن، ما المقصود منه، وهل هو يعني التدبر ؟

الإجابة 12/01/2026

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه، وبعد:

 

فهذا الأثر ورد عن عبد الله بن مسعود، وذلك فيما رواه غير واحد عن عبد الله بإسناد صحيح، قَالَ: إِذَا أَرَدْتُمُ الْعِلْمَ؛ فَأَثِيرُوا الْقُرْآنَ، فَإِنَّ فِيهِ عِلْمُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ، وقد وردَ بألفاظٍ متعددةٍ منها: «مَنْ أَرَادَ عِلْمَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ فَلْيُثَوِّرِ الْقُرْآنَ»، وفي رواية: ثَوِّرُوا الْقُرْآنَ؛ فَإِنَّ فِيهِ عِلْمَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ.

 

ونستطيع أن نلخص التثوير في خمسة واجبات تكون للمسلم مع القرآن، الترتيل والتدبر والعمل ودعوة الناس إليه والصبر على هذه الدعوة، فيكون التثوير أشمل فهو يشمل التدبر وزيادة.

 

والتثوير لغةً: من ثارَ الشيءُ يثورُ ثورانًا، أي هاج وانتشر، وأثارَ الغبار أي هيّجه ونشره. وأثار الأرض أي حرثها وقلّبها ليُخرج كنوزها وخيراتها.

 

واصطلاحًا: تثوير القرآن: يعني تقليب آياته في القلب والعقل، واستخراج معانيها وكنوزها وهداياتها، والبحث فيها عن الدواء لمشاكل الواقع وأمراض القلوب. هو ليس مجرد قراءة عابرة، بل هو قراءة استكشافية تفاعلية، كمن يحرث الأرض بجد واجتهاد لاستخراج كنوزها الدفينة.

 

قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وهو من أعلم الصحابة بالقرآن: "لا تهذّوا القرآن هذَّ الشِّعر، ولا تنثروه نثر الدَّقَل (التمر الرديء)، وقفوا عند عجائبه، وحرِّكوا به القلوب، ولا يكن همُّ أحدكم آخر السورة".

 

هذا الأثر العظيم هو أصل هذا المنهج. فقوله حرِّكوا به القلوب، وقفوا عند عجائبه هو جوهر التثوير.

 

أصل المصطلح واستعماله

 

أشهر من استعمل هذا المصطلح هو الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، حيث ورد عنه أنه قال لأحد تلاميذه: "إذا أردت العلم فثوِّر القرآن، فإن فيه علم الأولين والآخرين".

 

كيف نُثوِّر القرآن عمليًّا؟

 

تثوير القرآن ليس عملية معقدة، بل هو حالة قلبية وعقلية يمكن تحقيقها من خلال خطوات عملية، سواء كنت تقرأ وحدك أو في حلقة مع إخوانك:

 

1- القراءة المتأنية (الترتيل): الخطوة الأولى هي إبطاء سرعة القراءة. لا تجعل همك الوصول إلى نهاية السورة أو الجزء. اقرأ بترتيل كما أمر الله: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً﴾ (المزمل: 4). الترتيل يمنح العقل فرصة لاستيعاب المعاني والقلب فرصة للتأثر.

 

2- التساؤل والتفاعل (التدبر) هذه هي روح التثوير. عندما نقرأ آية، نتوقف ونسأل: لماذا؟ لماذا قال الله كذا؟ لماذا استخدم هذه الكلمة دون غيرها؟ ما الذي يريد الله مني في هذه الآية؟ ما هو الأمر أو النهي أو العبرة؟ وكيف أطبق هذا في حياتي اليومية؟ في علاقتي مع ربي، مع أهلي، في عملي؟

 

ثم يسأل المسلم ما علاقة هذه الآية بما قبلها وما بعدها؟ هذا يفتح لنا أبوابًا من فهم سياق القرآن ووحدته.

 

3- تكرار الآيات أو الآية : كان النبي ﷺ والصحابة يرددون الآية الواحدة طوال الليل أحيانًا. وقد قام النبي ﷺ ليلة كاملة بآية واحدة يرددها: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (المائدة: 118).

 

4- الربط بالواقع (التنزيل): تثوير القرآن يعني إخراجه من إطار النص التاريخي إلى واقعك الحي، فعندما تقرأ عن المنافقين، اسأل الله أن يطهر قلبك من صفاتهم، وعندما تقرأ عن صبر الأنبياء، انظر إلى ابتلاءاتك واسأل الله الصبر والثبات، وعندما تقرأ آيات النعيم، اشتق إلى الجنة واعمل لها. وعندما تقرأ آيات العذاب، خف واستجر بالله من النار.

 

ثم تأتي أخيرًا الاستجابة الفورية: التثوير الحقيقي هو الذي يقود إلى عمل، قرأت آية عن الاستغفار توقف واستغفر، قرأت آية عن الصدقة اعقد النية على التصدق، قرأت آية فيها سجدة اسجد فورًا، وهكذا كان الصحابة، يتلقون الآيات ليعملوا بها مباشرة.

 

والله تعالى أعلى وأعلم

 

روابط ذات صلة:

كيف أقرأ القرآن وأتدبره بطريقة غير روتينية؟

كيف أتفاعل مع آيات القرآن وأستشعر أنها تخاطبني؟

الرابط المختصر :