الإستشارة - المستشار : د. عادل عبد الله هندي
- القسم : فئات المدعوين
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
35 - رقم الاستشارة : 4152
17/02/2026
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
أعمل في محضن فكري يضم نخبة من الدعاة والباحثين المتخصصين في نقد الأفكار المعاصرة. مشكلتنا الكبرى ليست في "قوة الشبهات" التي تواجهنا؛ بل في "تشتت الخطاب" بيننا.
فقد انقسمنا إلى فريقين: فريق يرى "الشدة والحسم" في الردّ على المخالفين، وفريق يرى "الملاينة والمقاربة الفلسفية".
هذا الاختلاف لم يبقَ نقاشًا علميًّا؛ بل تحول إلى "تراشق" عبر المقالات والمنصات، واتهامات متبادلة بالميوعة أو بالتشدد. المدعوّون من المثقّفين والشباب الحائر بدؤوا يلمسون هذا التنازع، وأصبحت تعليقاتهم تضج بالاستهزاء بفرقتنا، مما أفقد خطابنا هيبته.
أشعر أن جهودنا الفكرية تتبدد في صراعات داخلية بدلاً من مواجهة التحديات الحقيقية. كيف نصلح ذات بيننا في بيئة نخبويّة تضخم فيها "الأنا" العلمية؟ وكيف نعيد هيبة الدعوة التي تآكلت بسبب هذا النزاع؟
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.. أهلاً بك أيها الأخ الفاضل وبهمِّك الدعوي النبيل.
إنَّ ما تصفه هو تجسـيد حيّ لآثار (التنازع) فالتنازع ليس مجرد خلاف في الرأي، بل هو (داء عضال) يصيب صفوف الدعاة ويؤدي إلى (فشل الذات وذهاب القوة).
وإليك هذا الجواب المفصل ليضع لك منهجاً عمليًّا:
أولاً: بيان خطورة (الأثر السـيئ على المدعوين)
فإن أكبر مأساة يسببها نزاع النخب هي (الأثر السـيئ على المدعوين الذين يرون الدعاة أفضل الناس). عندما يتنازع (أهل النخبة) أمام العامة، فإنهم لا يضيعون جهودهم فحسب، بل يصدون الناس عن سبيل الله بغير قصد؛ لأن المثقف المدعو يبحث عن (السكينة واليقين)، فإذا وجد أصحاب الحق في صراع وشتات، نفر من دعوتهم. إن تماسكَكم هو (صمام الأمان) لهذه الدعوة، وبدونه تنهار الهيبة وتضيع الأمانة.
ثانيًا: جذور النزاع النخبوي (التعصب وإعجاب كل ذي رأي برأيه)
وإنَّ من أخطر أسباب التنازع هو (التعصب الفكري)، وهو تحيز الداعية لعقله وثقافته أو لقول شخص معين دون النظر في صوابه أو خطئه. وفي الأوساط النخبوية، يتجلى هذا في (إعجاب كل ذي رأي برأيه) الذي هو من صور اتباع الهوى المذموم. كما لا نغفل آفة (الحسد بين الأقران) المتفقين في التخصص، حيث يغار البعض من قبول رأي الآخر أو شهرته، وهو الحسد الذي وصفه النبي ﷺ بـ (الحالقة) التي تحلق الدين وتمنع المحبة الكاملة في الله.
ثالثاً: منهج الإصلاح النخبوي (التوفيق والرد إلى الأصول)
1) تعريف الإصلاح كفعل إيماني: ويعني باختصار شديد توفيق وألفة بالمودة، وإزالة ما بين الدعاة من قطيعة. يجب أن تدرك النخبة أن إصلاح ذات البين أفضل من نافلة الصيام والصلاة والصدقة.
2) إرساء فقه (تنوع المقامات): إن اختلافكم بين الشدة واللين ليس (تضادًّا)؛ بل هو (تكامل) تقتضيه الشـريعة التي (سمحت بوجود الاختلاف في أداء الطاعات). لقد قال النبي ﷺ للمختلفين في قراءة آية: (كلاكما محسن، لا تختلفوا؛ فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا). المنهج النخبوي الصحيح هو توظيف (الشدة) في مقامها، و(اللين) في مقامه، دون إنكار أحدهما على الآخر.
3) إعمال مبدأ (العدل والإنصاف): العدل بين الناس من أجل العبادات. يجب على كل طرف أن ينصف الطرف الآخر ويعترف بجدوى منهجه في سـياقه الخاص. (فالمؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا).
4) الردّ إلى الله ورسوله وتجريد الهوى: عند استعار الخلاف، يجب العودة إلى (المقاصد الكبرى للدعوة) ورد النزاع إلى الدليل الشـرعي لا إلى (الانتصار للذات العلمية).
رابعًا: خطوات عملية للجمع والائتلاف:
* عقد (مجلس مصارحة بالمودة): استنادًا لتعريف الإصلاح بالتوفيق والألفة، اجتمعوا لتصفية القلوب قبل العقول، واستحضروا أن مهمتكم هي مهمة الأنبياء.
* توحيد (الواجهة الإعلامية): اتفقوا على (ميثاق تواصل) يمنع الردود العلنية بين أبناء المنهج الواحد، وردوا الخلافات إلى (الغرف المغلقة) رعايةً لمقام الدعوة وهيبتها أمام المدعوين.
* توزيع الأدوار التكاملي: اجعلوا من أصحاب (اللين) مقدمة الخطاب لاستقطاب الحائرين، ومن أصحاب (الشدة) حصناً لحماية الأصول عند الحاجة، فهذا هو (التآلف والتعاضد) الذي يقتضيه الإسلام الواحد.
وأنصحك ختاما بالآتي:
- كن أنت (العبد المصلح) الذي يسعى في (إزالة العداوة)، فمن فعل ذلك ابتغاء مرضاة الله آتاه الله أجرًا عظيمًا.
- ذكّر إخوانك بأن (العلم عزيز الجانب)، وأنه لا يُنال بالراحة ولا بالنزاع، بل بالمجاهدة والائتلاف.
- تذكر أن (وحدة الصف) هي أعظم رد على الشبهات، فالمجتمع القوي المتماسك هو أصدق دليل على صحة المنهج.
وفي نهاية جوابي أتوجه إلى الله تعالى بهذه الدعوات: اللهم يا مؤلف القلوب، ألّف بين قلوب دعاتنا ونخبنا، وأصلح ذات بينهم، واهدهم سبل السلام، وأخرج من صدورهم الغل والحسد، واجعلهم هداة مهتدين، يشد بعضهم أزر بعض في تبليغ رسالتك. آمين.
روابط ذات صلة:
كيف نتعامل مع الاختلافات الفقهية والدعوية دون تمزق الصف الدعوي؟