جارنا قدوة سيئة لأخي الصغير!!

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : د. أميمة السيد
  • القسم : الشباب
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 8
  • رقم الاستشارة : 5513
03/08/2026

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

أنا أخ أكبر لشاب يبلغ من العمر سبعة عشر عامًا، ووالدي يعمل خارج المحافظة معظم أيام الأسبوع، ولذلك أصبحت أنا الأقرب إلى أخي بحكم العمر.

مشكلتي ليست مع الهاتف، ولا مع الألعاب الإلكترونية، ولا حتى مع الدراسة، وإنما مع شخص واحد.

أخي تعلق بشاب يكبره بحوالي سبع سنوات، يسكن في منطقتنا، ويعتبره قدوته في كل شيء.

في البداية فرحت؛ لأنني ظننت أنه وجد أخًا أكبر ينصحه ويشجعه، لكن مع مرور الوقت بدأت ألاحظ تغيرات غريبة.

صار يغير طريقة كلامه لتشبهه، ويلبس مثله، ويستخدم نفس العبارات، بل حتى طريقة المشي والضحك أصبحت متقاربة بصورة لافتة.

وكلما حاولت أن أناقشه، قال لي: "هو الوحيد الذي يفهمني".

المشكلة أن هذا الشاب لا يتعاطى المخدرات، ولا يرتكب جرائم، لكنه عاطل عن العمل، لا يكمل أي مشروع يبدأه، ويعيش على أموال والده، ويقضي أغلب يومه في المقاهي، ويسخر دائمًا من الناجحين، ويقول إن الدراسة لا قيمة لها، وإن كل الناجحين كانوا محظوظين فقط. ومنذ تعلق أخي به بدأت أسمع منه العبارات نفسها. فأصبح يقول: "الجامعة مجرد ورقة" "الاجتهاد لا يفيد" "كل شيء واسطة"، بل أصبح يرفض أي نصيحة منا، وكأن هذا الشاب أصبح المرجع الوحيد الذي يثق فيه.

لا أخشى فقط أن يكون قد تعلم منه سلوكًا سيئًا، وإنما أخشى أن يكون قد تبنى طريقته في التفكير، لأنني أرى شخصيته تتغير أمام عيني.. فكيف أُنقذ أخي دون أن أجعله يتمسك به أكثر؟

الإجابة 03/08/2026

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، ابني الفاضل..

 

لفت انتباهي أنك لم تنشغل بمظهر أخيك، بل بما يحدث داخل عقله. وهذه نظرة تربوية ناضجة؛ لأن أخطر أنواع التقليد ليست تقليد الملابس أو الكلمات، وإنما تقليد طريقة التفكير.

 

إن مرحلة المراهقة المتأخرة وبداية الشباب هي المرحلة التي يبحث فيها الإنسان عن نموذج يقتدي به، وهذا ما يسمى في علم النفس Role Model Identification أو النموذج القدوة له.

 

فكل شاب يسأل نفسه -ولو دون وعي-: "من الشخص الذي أريد أن أصبح مثله؟"

 

وهنا تبدأ عملية التعلم بالملاحظة، وهي من أقوى وسائل التعلم..

 

ولذلك فإن أخاك لا يقلد هذا الشاب لأنه معجب بملابسه فقط، وإنما لأنه وجد فيه شيئًا يفتقده؛ ربما شعورًا بالاحتواء، أو الاهتمام، أو الإعجاب، أو الإحساس بأنه شخص مهم.

 

وهنا أود أن ألفت نظرك إلى نقطة دقيقة جدًّا:

 

ليس كل تأثير سلبي يأتي من شخص سيئ الأخلاق.

 

فهناك أشخاص محترمون في ظاهرهم، لكنهم ينشرون العجز النفسي، ويغرسون فيمن حولهم ثقافة الاستسلام، والسخرية من النجاح، والتقليل من قيمة الاجتهاد. وهذا أخطر بكثير من كثير من السلوكيات الظاهرة.

 

إن أخاك بدأ يتبنى ما يسمى في علم النفس Learned Helplessness أي العجز المتعلم.

وهو اعتقاد يتكون تدريجيًّا لدى الإنسان بأنه مهما اجتهد فلن يحقق شيئًا، فيتوقف عن المحاولة أصلًا. وهذا الاعتقاد لا يولد مع الإنسان، بل ينتقل إليه من البيئة المحيطة.

 

- ولذلك أنصحك ألا تبدأ بمحاولة تشويه صورة ذلك الشاب. لأن المراهق إذا شعر أنك تهاجم الشخص الذي يحبه، فسيدافع عنه أكثر، وقد يراك خصمًا لا ناصحًا.

 

بدلًا من ذلك، ناقش الأفكار، لا الأشخاص. فإذا قال: "النجاح كله واسطة"، فلا تقل: "فلان هو الذي أفسدك"، بل اسأله بهدوء: "إذا كان النجاح كله واسطة، فكيف ترى آلاف الأشخاص الذين بدأوا من الصفر؟ وهل كل العلماء والأطباء والمهندسين كانوا أصحاب واسطة؟".

 

بهذه الطريقة تساعده على ممارسة Critical Thinking أي التفكير الناقد، بدلًا من التسليم بالأفكار الجاهزة.

 

- كما أنصحك أن توسع دائرة القدوات في حياته. خذه معك إلى شخص ناجح متواضع. اجعله يجلس مع قريب مجتهد، أو مدرب، أو أستاذ جامعي، أو صاحب مشروع بدأ من الصفر. فالإنسان إذا رأى نموذجًا حيًّا، ضعفت هيمنة النموذج السلبي.

 

- ومن الجميل أيضًا أن تكلفه بمسؤوليات حقيقية داخل البيت. لأن تحمل المسؤولية ينمي Self-efficacy أي الشعور بالكفاءة الذاتية والقدرة على الإنجاز. أما الفراغ، فهو البيئة التي تنمو فيها الشخصيات التابعة.

 

- ولا تنسَ أن تمدحه عندما يفكر باستقلال، حتى لو اختلف معك. لأننا لا نريد منه أن يقلدك أنت أيضًا، وإنما نريده أن يتعلم كيف يفكر بنفسه.

 

 - وعلمه أيضا وأكد له أن الإسلام ربّى المسلم على حسن اختيار الصحبة؛ لأنها تصنع الاتجاهات قبل السلوك.

 

قال رسول الله ﷺ: «المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل».

 

وقال سبحانه وتعالي: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾، وليس المقصود بالصادقين صدق اللسان فقط، بل صدق الهمة، وصدق السعي، وصدق العمل. فالصاحب الصالح يرفع سقف طموحك، أما الصاحب السلبي فيجعلك تبرر تقصيرك.

 

همسة أخيرة:

 

ابني الغالي، لا تخف أن يكون لأخيك قدوة، فكل شاب يحتاج إلى قدوة. لكن احرص على أن تملأ حياته بالنماذج المضيئة قبل أن تطلب منه أن يترك النموذج المعتم. فالعقول لا تُترك للفراغ، والقلوب تبحث دائمًا عمن تتعلق به. فإذا قدمنا لأبنائنا قدوات صادقة، قلَّت حاجتهم إلى التعلق بمن يثبط عزائمهم ويصغر أحلامهم.

 

روابط ذات صلة:

جارتي سيئة السمعة.. تثير قلقي على بناتي!!

هل أخبر جاري أن ابنه يدخن؟!

الرابط المختصر :