الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : المعاملات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
19 - رقم الاستشارة : 5432
03/08/2026
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أحد أقاربي يعاني من مرض نفسي، وأحيانًا يتصرف بطريقة غير طبيعية، ثم يعود إلى حالته المعتادة، وقد صدر منه في إحدى المرات تصرفات وقرارات يندم عليها بعد أن تتحسن حالته. فأشكل علينا الحكم الشرعي: هل يُعد مسؤولًا عن جميع تصرفاته في هذه الحالة؟ وهل يؤثر المرض النفسي في أهليته للتصرفات الشرعية والمالية، أم أن الأصل بقاء كامل الأهلية حتى يثبت خلاف ذلك؟ أرجو بيان الضوابط الشرعية في هذه المسألة، وجزاكم الله خيرً
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،
وبعد:
فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، وإن حفظ العقل لهو
واحد من الكليات الخمس الضرورية التي جاءت الشريعة الإسلامية بمراعاتها وصيانتها.
وقد بنى الفقهاء الأحكام الشرعية وإناطة التكليف على وجود العقل والتمييز؛ فالشرع
الحنيف يعامل الإنسان بحسب حالته العقلية والإدراكية وقت صدور التصرف منه.
والمرض النفسي أو العقلي الذي يطرأ في أوقات ويزول في
أوقات أخرى يُعدّ من نواقض الأهلية التي تؤثر في صحة التصرفات ونفوذها، ويُفرق
الفقهاء بين حالة وجود المرض وغياب التمييز، وبين حالة الإفاقة والقدرة على
الاختيار والوعي.
اختصارًا: الأصل بقاء كمال الأهلية وتكليف الشخص حتى يثبت يقينًا زوال
عقله أو غيابه وقت التصرف؛ فالأصل صحة الذمة وتصرفات العاقل.
فإذا تصرف المريض في أثناء انتكاسته وظهور أعراض المرض
التي تُفقده التمييز أو السيطرة الكاملة على الإرادة، فإن تصرفاته القولية
والمالية كالطلاق، والبيع، والإقرار، والتنازلات لا تنفذ ولا يُعد مسئولاً عنها
شرعًا، وتُعتبر باطلة أو موقوفة بحسب نوع التصرف.
أما إذا صدرت التصرفات منه في أوقات إفاقته وهو مدرك لما
يقول ويفعل، فإن تصرفاته نافذة وصحيحة ويُعد مسؤولاً عنها مسؤولية كاملة.
ويُرجع في تحديد حالة المريض وقت التصرف إلى أهل الخبرة
من الأطباء النفسيين الثقات بالإضافة إلى قرائن الأحوال وشهادات الشهود، وبناءً
عليه يُقرر القضاء أو الولي الحجر عليه في التصرفات المالية إن كان مرضه ممتدًا أو
متكررًا متسببًا بضرر بالغ.
وتفصيلاً:
اتفق فقهاء المذاهب الأربعة والعلماء المعاصرون على أن
المجنون أو المعتوه أو من في حكمهما ممن يغيب عقله لمرض لا يُسأل عن تصرفاته وقت
غياب عقله.
جاء في تبيين الحقائق للزيلعي 6/ 197: «وأما المجنون
المفيق؛ فما فعله في حال إفاقته فهو كفعل العاقل، وما فعله في حال جنونه فهو كفعل
المجنون».
وجاء في المادة 945 من مجلة الأحكام العدلية: «المجنون
المفيق هو في حال إفاقته كالعاقل».
ومن المالكية جاء في الشرح الكبير للدردير مع حاشية
الدسوقي 2/ 285: «وشرط صحة البيع والتصرفات العقل؛ فلا يصح تصرف مجنون ولا معتوه،
والمجنون إذا أفاق وتصرف حال إفاقته صح تصرفه ونفذ».
وجاء في مغني المحتاج للخطيب الشربيني 2/ 342: «وشرط
العاقد الأهلية، فلا يصح عقد المجنون ولا الصبي غير المميز؛ لعدم قصدهما وإرادتهما
الشرعية».
وعند الحنابلة: أورد الإمام ابن قدامة في المغني 4/ 303:
«أما المجنون فلا يصح تصرفه بغير إذن ولا بإذن، والطلاق والعتق والبيع والشراء
وسائر العقود منه باطلة، فإن كان يجن ويستفيق، فما فعله في حال إفاقته فهو كفعل
الصاحي، وما فعله في حال جنونه فهو باطل».
ثانيًا: موقف المجامع الفقهية والعلماء المعاصرين في حكم
نفاذ تصرفات المريض العقلي
قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي:
أكد المجمع في قراراته المتعلقة بـ أهلية المريض النفسي
والعقلي أن الأمراض النفسية والعقلية التي تؤثر في الإدراك والاختيار تُلحق
بالجنون أو العته بحسب درجة تأثيرها. وجاء في القرار رقم 132 6/ 14 بشأن تصرفات
المريض النفسي: «إذا كان المرض النفسي يُفقد الشخص القدرة على التمييز والإدراك
وقت التصرف، فإن تصرفاته تكون باطلة ولا يترتب عليها أثر شرعي، والعبرة بحالته وقت
صدور التصرف منه».
فتوى الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله:
سُئل عن تصرفات المريض نفسيًّا وطلاقه حال مرضه، فقال:
«إذا كان مبتلى بالمرض النفسي أو زوال العقل في بعض الأحيان، فإن طلاقه وتصرفاته
في حال مرض وزوال عقله أو غلبة المرض عليه لا تقع ولا تصح، لأن الشرع ينظر إلى
وجود العقل والتمييز».
فتوى الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله:
قال رحمه الله في الشرح الممتع «الإنسان إذا كان يصيبه
غيبوبة عقليّة أو مرض نفسي يفقده السيطرة على نفسه، فإن الأقوال والأفعال التي
تصدر منه في تلك الحال لا يُؤاخذ بها، ولا يترتب عليها أحكامها؛ لأن الشرط الأساسي
للتكليف ولنفوذ العقود هو العقل والإرادة».
ويستحسن أن تلجأ الأسرة لاستصدار تقرير طبي بمعرفة
الطبيب النفسي المختص لتحديد طبيعة المرض وما إذا كانت تصيبه نوبات من فقدان
التمييز، فإذا كانت نوبات المرض متكررة وتتسبب في إتلاف أمواله أو اتخاذ قرارات
مصيرية متكررة يُندم عليها، فللأولياء رفع الأمر إلى القاضي الشرعي للحجر عليه في
التصرفات المالية فقط بغرض المصلحة، مع تعيين وليٍّ يتولى إدارة شؤونه المالية
لحماية حقوقه.
القواعد الفقهية الحاكمة في حكم
نفاذ تصرفات المريض العقلي:
قاعدة: «الأصل بقاء ما كان على ما كان»
الأصل في الشخص الكبير أن يكون كامل الأهلية والعقل، فلا
يُزاح هذا الأصل ولا يُدعى زوال عقله إلا ببينة شرعية أو تقرير طبي موثوق يثبت
حدوث المرض وغياب التمييز وقت وقوع التصرف.
قاعدة: «اليقين لا يزول بالشك»
إذا ثبت يقينًا صحة عقله في الأصل، ثم وقع الشك هل تصرف
وهو في حالة إفاقة أم في حالة نوبة المرض؟ يُنظر في القرائن، لكن إذا ثبت باليقين
أنه كان في حالة نوبة مرضية وزوال تمييز وقت العقد أو القول، زال أثر التصرف
باليقين.
قاعدة: «لا تكليف إلا بعقل» أو «إذا أُخذ ما أوهب سقط ما
وجب»
العقل هو مناط التكليف والنفوذ، فإذا زال العقل بمرض
نفسي مانع من التمييز والإرادة، سقط التكليف وألغيت آثار التصرفات القولية
والمالية.
قاعدة: «العبرة في العقود بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ
والمباني»
تصرفات المريض النفسي في حال الانتكاسة تخلو من القصد
الصحيح والإرادة المعتبرة شرعًا، وما كان بغير قصد وإرادة سقطت اعتباريته الشرعية. والله
تعالى أعلى وأعلم
روابط ذات صلة:
حكم طلاق
الموسوس.. وماذا يفعل من ابتلي به؟