الإستشارة - المستشار : أ. فاطمة عبد الرءوف
- القسم : استشارات أخرى
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
363 - رقم الاستشارة : 3327
18/11/2025
أنا يا سيدتي رجل شريف وفقير ولدي ثلاث بنات قمت بتربيتهم أفضل تربية على الدين والخلق وتحمل المسئولية وعلمتهن جميعا تعليما عاليا، وبناتي هن من المتفوقات دائما حتى تخرجت الكبرى منهن هذا العام ولكنها لم تجد عملا مناسبا فقلت لها ليس مطلوبا منك العمل وإما تجدين عملا كريما لائقا أو لا, فأنا لن أقصر معك في شيء. وزوجتي يا سيدتي هي ربة منزل فاضلة تدبر أمور بيتها بحكمة شديدة..
المشكلة أن ابنتي الكبرى قد جاءها خاطب ذو خلق ودين وسمعة طيبة وهو سيأتي من اجل الرؤية الشرعية بعد عدة أيام بسيطة، وأنا أريد لابنتي الزواج والستر، ولكنني لا أملك أي فائض مالي لتجهيزها، ونحن من الريف يا سيدتي، وفكرة أن الشاب يجهز بيته بالكامل ولا يكتب قائمة لا تعرفه بلدتنا، ولا أريد أن يقول الناس عني إنني أبيع ابنتي أو أنها رخيصة لدي.
وأنا واقع في الهم وغير قادر على رفض الخاطب من البداية، وغير مستعد لتزويجها على عادة بلدتنا شديدة المبالغة، ولا أريد أن أكسر ابنتي وأقلل فرحتها واشعرها بالنقص.. هل يمكن أن تمنحيني بصيص نور حيث إن حالتي النفسية بالغة السوء وشكرا مقدما.
أخي الكريم، أهلاً وسهلاً ومرحبًا بك في موقعك بوابة الاستشارات الإلكترونية.
اسمح لي في البداية أن أحييك تحية حارة من القلب، فأنت يا سيدى نموذج يقتدى ويحتذى به، ورغم أنك قد ترى أن ما قمت به على مدار سنوات هو جهد عادي وطبيعي لأي أب مسئول وحنون ولأي إنسان يؤمن بالله واليوم الآخر، فإن الحقيقة أن الكثيرين قد رسبوا في هذا الاختبار، فرغم بساطة ما تقول فإنه بسيط ومعقد في آن واحد خاصة في هذا العصر.
السهل الممتنع
إن ما قمت به -يا أخي- يمكننا أن نطلق عليه السهل الممتنع، فلقد استشْرى الكثير صور الفتنة وأن يحافظ الرجل أن يبقى شريفًا لا يأكل إلا حلالاً رغم أن كثيرًا ممن حوله يتساهلون لهو أمر يستحق الإشادة والتقدير (ليأتينَّ على الناس زمانٌ لا يُبالي المرءُ بما أخَذَ المالَ أمِن الحلال أم مِنَ الحرام)...
ليس هذا فقط ما تستحق عليه الإشادة -يا أخي الكريم- فاهتمامك بعائلتك بزوجتك وبناتك ومراعاة مشاعرهن والحرص ألا يقلل منهن أحد وحرصك ألا تعمل ابنتك في عمل لا يليق بها رغم الظروف الاقتصادية القاسية، هذا كله يدل على قلب رحيم ورجولة حقيقية، وأبشرك بحديث النبي ﷺ (من عال جاريتين حتى تبلغا، جاء يوم القيامة أنا وهو، وضم أصابعه)، فأبشر برفقة النبي ﷺ وارفع رأسك عاليًا فأنت تمثل الطبقة الأرقى في المجتمع كله؛ فالرقي جوهر وخلق وقيم ومبادئ وليس ثراء ومظاهر فارغة ومشاعر مزيفة...
يكفيك -يا أخي- أن هناك صلة مباشرة بينك وبين الخالق عز وجل، أو كما قال النبي ﷺ لسعد (أطب مطعمك تستجب دعوتك)، فأي صلة أقوى من استجابة الدعاء، فأبشر بالخير كله.
جهاز البنت
يا أخي، الأمر سهل يسير إن شاء الله تعالى فقط بحاجة لحسن الظن بالله تعالى والثقة في اختياراتك.. أنت لست ملزمًا بتجهيز بيت رجل آخر.. الزوج ملزم بتجهيز بيته، هذه حقيقة واضحة معمول بها في مشارق العالم الإسلامي ومغاربه.. عادة تجهيز البنات انتقلت من مساعدة للخاطب بسبب الظروف الاقتصادية السيئة التي يمر بها الشباب إلى حق مكتسب لهم وواجب ثقيل على الفتاة وأهلها، خاصة أن أهالي بعض الفتيات اعتبرن ذلك ميدانًا للمنافسة والمباهاة والمغالاة ووضعوا قواعد سخيفة تنم عن الجهل وروّجوا لها، مثل أن قيمة العروس من قيمة جهازها وأن تقدير الأهل للفتاة بقدر ما يحشدون لها من أمتعة حتى تحول جهاز العروس لما يشبه متجرًا صغيرًا للأدوات المنزلية والأجهزة الكهربائية.
أعلم أن هذه الأفكار السخيفة أصبحت تمثل رأيًّا عامًّا ثبّت أركانه على مدار سنوات خاصة في الريف، لكنه بدأ يتخلخل في الآونة الأخيرة وارتفعت كثير من الأصوات تنادي بما يطلق عليه "الزواج الشرعي"، والمقصود به أن يؤسس الشاب بيت الزوجية كاملاً ويدفع مهرًا للفتاة، سواء كان مالاً أو ذهبًا أو الاثنين معا، ولا وجود لما يطلق عليه "قايمة" في هذا النوع من الزواج.
وأنا أرى هذا النمط من الزواج مناسبًا لك تماما ولظروفك المادية، وفي الوقت ذاته لا يقلل من ابنتك، فمن دواعي الفخر أن تتزوج الفتاة بطريقة شرعية تمامًا دون تدخل العادات والتقاليد في صورة الزواج.. كل ما تحتاجه أن تكون أنت مقتنعًا من داخلك أن هذا هو الأصل في الزواج وهذا هو الأمر الطبيعي، فبمقدار ثقتك في ذلك بمقدار ما يقتنع الناس به أو على الأقل تحجم من شر ألسنتهم وتعليقاتهم النقدية والسلبية.
لا بد أن تتحدث مع بناتك وخاصة الابنة العروس وأنك تريد لها زواجا شرعيًّا، وأنك بهذه الطريقة لا تقلل منها، وأن ما يشغلك أن تختار لها صاحب الخلق والدين، وأنك لن تكون سعيدًا أو مرتاحًا لو كتبت لها "قايمة" ضخمة ثم لا تشعر بالارتياح في زواجها، وأن من تعود لبيت والدها مطلقة لن يسعدها مجموعة من الأثاث المستعمل، وأن أهم ما في "القايمة" هو الذهب وهو ما ستحصل عليه كمهر بالفعل.
صاحب الخلق
أخي الكريم، لا تسمح للشيطان أن يعبث بعقلك أو بمشاعرك ويصور لك أنك رجل فاشل لأنك لا تملك المال، أو يصور لك أنك تكسر فرحة ابنتك وتقلل منها لأنك لن تشتري لها الأدوات المنزلية المعتادة، فيكفيك فخرًا أنك رجل شريف ربيت ابنتك بالحلال وربيتها على مكارم الأخلاق، وأنك لست إمعة تساير العادات والتقاليد البائسة فتذهب لتقترض وتستدين حتى تجهز بيت رجل آخر كما لو كانت العروس لا تكفي فلا بد أن نرسل معها الأدوات التي ستستعملها..
لذلك أدعوك لتبني مبدأ الهجوم خير وسيلة للدفاع، فبدلاً من قولك إنني رجل فقير لا أملك فاعذروني، عليك أن تتبنى مقولة أنا رجل لدي ابنة جوهرة ذات تعليم راق وخلق رفيع لن أقدم رشوة لخاطبها حتى يتزوجها، فمن راقته أفكاري فأهلاً وسهلاً به ومن يعبد التقاليد فليعبدها.. نبرات قوية وهادئة في الوقت ذات ونظرات عين ثابتة، وثق أن موقفك سيتحول للقوة.
أخي الكريم، أهم ما يشغلك أن يكون الخاطب صاحب خلق ودين وأن يمتلك عقلاً مرنًا غير تقليدي، فإذا راقك الشاب وحدث قبول اعرض عليه فكرة "الزواج الإسلامي"، فعليه أن يجهز بيته بحسب قدرته دون إسراف أو تقتير، فإن وافق فهذا خير، وإن لم يوافق فالشباب غيره كثير، وليس من الشرط أن تتزوج الابنة أحد أفراد بلدتكم فكثير من الشباب أصبح مقتنعًا بفكرة أن يجهز بيته كاملاً ويقدم مهرًا ولا يكتب قائمة، وهذا الشباب يعاني لأنه لا يجد من أهالي الفتيات تقبلاً لهذه الفكرة لأن أهالي الفتيات يمتلكون هذه الأفكار المستهلكة عن القيمة والتقدير وحق الفتاة ونحو ذلك من مفاهيم غير صحيحة...
الركيزة الأساسية أن يكون الشاب صاحب خلق ودين حقيقي وليس مزيفًا وصاحب وعي يقظ ولا يسير بحسب ثقافة القطيع، وإن شاء الله تجد ما تتمنى.
ولا تنس -أخي الكريم- يا من تتقي الله وتعيش بالحلال وإن شاء الله تكون مستجاب الدعوة أن تدعو الله أن يرزق بناتك أزواجًا صالحين تقر أعينهن بهم وأن ييسر أموركم كلها وأن يرزقك ويرزقهم من لدنه رزقًا طيبًا حسنا والله خير الرازقين.. وأخيرًا استعن بالله وتفاءل بالخير تجده.. رزقك الله وأسرتك الخير كله، وتابعيني بأخبارك دائمًا.
روابط ذات صلة: