كيف نتعامل مع مشاعر الندم بعد الفقد؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. فاطمة عبد الرءوف
  • القسم : استشارات أخرى
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 537
  • رقم الاستشارة : 3723
05/01/2026

سلام عليكم ورحمة الله وبركاته أشعر بتأنيب الضمير بسبب وفاة والدي ماذا أفعل انا أشعر بتأنيب الضمير أبي لم يكن مريضًا أبدا وفي يوم من أيام جىت إلى البيت رأيته يصرخ من الألم كتفه اليسرى واستفراغ أسود لونه ثم بعده بفترة شرب العصير والشاي وعطته نصف رغيف خبز وأكل ثم اتغافلت قليلا وذهبت إليه قلت له هل أنت مريض أو آخذك إلى المشفى فقال لي لا ثم حضرته وتوفاه الله وانا أشعر بتأنيب الضمير كثيرا لماذا لم أذهب به إلى المشفى وأبكي كثيرا.

الإجابة 05/01/2026

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أختي الكريمة في موقعك بوابة الاستشارات الإلكترونية.

 

شعورك بالحزن وألم الفقد هو شعور طبيعي.. بكاؤك أيضًا تعبير طبيعي عن الحزن.. أنت لم تفقدي فقط والدك بل جزءًا كبيرًا من هويتك وأمانك النفسي الذي كان الوالد يمثل جزءًا منه.. الحزن بعد غياب الأب هو شعور طبيعي لا يمكننا التحكم فيه أو وقفه.. هذه المشاعر هي مشاعر رحمة.. مشاعر نبيلة تمثل الجزء الراقي من الإنسان.. هذه المشاعر ستتحول بعد ذلك لمشاعر وفاء وانتماء نفسي..

 

حتى مشاعر الندم وتأنيب الضمير التي تعتريك هي مشاعر طبيعية جدًّا مر بها كثير من الناس.. لو كنت اهتممت أكثر.. لو كنت قضيت معه وقتًا أطول.. لو كنا ذهبنا للمشفى.. لو كنا ذهبنا أسرع.. لو كنا بحثنا عن طبيب آخر والكثير من الـ"لو" بدافع الحب والشفقة أو كأننا نستدعي لعقلنا صورة أخرى استطعنا فيها السيطرة على الوضع ولم نفقد الحبيب الراحل.. جزء من محاولة عقلنا لاستيعاب صدمة الفقد المؤلمة.

 

ساعات الرحيل

 

أختي الكريمة، لاحظي أفكارك ستجدين أنك تجترين ما حدث في الساعات الأخيرة التي تسبق وفاة الوالد وعقلك يكررها مرارًا، وهذا خطأ؛ لأن عليك أن تنظري لعلاقتك به على مدار سنوات عمرك كيف كانت ولا تختزليها فقط في الساعات الأخيرة المؤلمة.. لقد كانت علاقة بين والد وابنة بينهما حب وود وقرب وصلة وأحيانا بعض مشاحنات عادية تنتهي كأن لم تكن إلى أن يصل قطار العمر لساعاته الأخيرة ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾، ومهما فعلت فلن يتأخر هذا الأجل دقيقة واحدة وأنت على يقين من هذا، ولكنك تقيمين موقفك وتشعرين أنك غير راضية عنه...

 

يا عزيزتي، أنت لست طبيبة، لقد كان والدك بصحة جيدة تمامًا ولم يكن يعاني من تاريخ مرضي.. عندما وصلت البيت هذا اليوم وجدت قيئًا أسود وألمًا حاد في الذراع، وهذه علامات خطر بالفعل لكنك لا تعرفين ذلك فظظنته أمرًا عارضًا فما توقف ما حدث، وقدمت له الطعام والشاي وتناول طعامه وتركته قليلاً ليرتاح ثم عدت إليه تطمئنين وتتأكدين هل زال الألم والتعب أم أنه لا يزال يعاني، وعلى الرغم من استقرار حالته الظاهرة أمامك سألته فنفى أن يكون مريضًا ورفض الذهاب للمستشفى ولم تكوني لتأخذيه رغمًا عن أنفه، ثم جاء أجله...

 

ولو كنت ذهبت به للمستشفى لجاءه أجله في نفس اللحظة، وكثير من المرضى لا يفضلون قضاء لحظاتهم الأخيرة على الأسرة البيضاء تحت الأجهزة وسط الغرباء ويشعرون بالأمان في بيوتهم، ولعل والدك رفض الذهاب للمشفى من أجل ذلك فنفى أن يكون مريضًا حتى لا يتم إجباره على الذهاب للمستشفى، بمعنى أنك لو نظرت للأمر من زاوية أخرى فستجدين أن الوالد الراحل مات في أمان وسلام، وهذا ما أريد أن تفكري فيه:

 

- علاقتك الطويلة بوالدك على مدار سنوات فلا تختزليها في الساعات الأخيرة وتجتري ذلك.

 

- أن الوالد رحل بسلام في بيته وعلى فراشه دون أن يعاني من طول المرض وما يلازمه من إحساس نفسي مؤلم وشعور أنه ثقيل على من حوله.. وأنه رحل في بيته وهو يشعر بالأمان دون أن يعاني من الخوف والقلق داخل الجدران الباردة للمستشفيات.

 

كيف نتعامل مع مشاعر الندم؟

 

أختي الكريمة، أفضل حل يساعدك على تجاوز مشاعر الندم هو استثمار قوتها وحدتها وتحويلها لمشاعر وفاء للراحل، فإذا كنت نادمة على أنك لم تذهبي للمستشفى وتوفي فإن هذا الحدث لا يمكن استرجاعه، لكن يمكن أن تكوني ابنة وفية له وتتصدقي عليه، فما أحوجه الآن للصدقة مهما كان والدك كريمًا صدقينني هو بحاجة للصدقة ﴿وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾ فأفرد القرآن الصدقة بالذكر من بين كل الأعمال الصالحة التي يتمناها الميت...

 

والصدقة لا تكون بالمال فقط.. إذا قدمت خدمة أو مساعدة من أي نوع هي صدقة إذا احتسبتها كذلك، وادعي له وقتها قولي: اللهم تقبل مني واغفر لوالدي واحسب ما قمت به صدقة له يارب العالمين.

 

لو كان لديك بعض الوقت فاذهبي لدار المسنين حيث العجائز المرضى الذين انقطعت بهم السبل، والذي لم يكن والدك بفضل الله عز وجل واحدًا منهم.. اقضي معهم بعض الوقت وساعديهم فهذه صدقة وجهي ثوابها لوالدك وعمل من جنس ما كنت تتمنين أن تقومي به مع والدك الراحل.

 

حولي مشاعر الندم لطاقة.. طاقة دعاء لوالدك أن يغفر الله ويرحمه ويعفو عنه.. طاقة صدقة، ويا حبذا أن تكون صدقة جارية.

 

من الأمور المهمة التي يمكنك القيام بها أن تصومي بدلا عنه إذا كان مريضا ولم يستطع الصوم من قبل أو تطعمي إن لم تستطيعي الصوم.. الحج عنه إذا كان لم يسبق له الحج إذا تيسرت ظروفك وكنت قد حججت لنفسك.. الخلاصة أبواب الخير كثيرة جدا فاستثمري طاقتك في طرقها..

 

وفي النهاية أريدك –غاليتي- أن تتذكري أن والدك عمله قد انقطع وهو بحاجة ماسة لدعائك وليس لندمك، فندمك لن يعيده ولن ينفعه بينما دعاؤك يصله وينتظره فلا تجعلي الشيطان يشوش عليك بالندم على الدعاء.. كتب الله لك الخير كله وغفر لوالدك ورحمه ورزقه الفردوس الأعلى ورزقه برك ودعاءك.

 

روابط ذات صلة:

بعد وفاة والدها.. كيف تحيا ولا تُضيِّع حق الأحياء؟

فقدت طعم الحياة بفقدان جدي!!

طفلي منعزل.. كيف أدعمه بعد وفاة والده؟!!

الرابط المختصر :