الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : المعاملات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
11 - رقم الاستشارة : 5082
16/06/2026
لي أقارب يؤذونني بلسانهم دائماً ويسببون لي مشاكل مع زوجتي، فهل يجوز لي قطع علاقتي بهم تماماً والاكتفاء بالسلام الرسمي في المناسبات فقط؟
الحمد
لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:
فأهلاً
وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، واعلم رعاك الله أن الشريعة الإسلامية الغراء أولت
العلاقات الأسرية والروابط العائلية عناية فائقة، وجعلت صلة الأرحام من أوجب
الواجبات وعلامات الإيمان الكامل، كما حذرت تحذيرًا شديدًا من قطيعتها. وفي
المقابل، جاءت أحكام الشرع الشريف واضحة في دفع الأذى والضرر عن حياة الناس
واستقرارهم الأسري.
وتعد
المشكلات الناشئة بين الأقارب والزوجات من النوازل الاجتماعية المتكررة التي تتطلب
حكمة بالغة ونظرًا فقهيًّا دقيقًا، يوازن بين وجوب صلة الرحم وبين حق الإنسان في
حماية بيته وزوجته من الأذى والمشاحنات، بما يضمن عدم الوقوع في إثم القطيعة، وفي
الوقت ذاته يدفع الضرر والشقاق عن البيوت.
اختصارًا: لا
يجوز قطع الأقارب قطعًا تامًّا ومطلقًا، لما في ذلك من الإثم والوعيد المترتب على
قطيعة الرحم. ومع ذلك، فإن الصلة في الإسلام ليست ذات قالب واحد جاف، بل تختلف
باختلاف درجات القرابة وطبيعة التعامل.
ويجوز
للمتضرر شرعًا -دفعًا للأذى والمشاكل الزوجية- تقليل الخلطة إلى الحد الأدنى،
والاكتفاء بالصلة الرسمية كالسلام باللسان، أو الاتصال الهاتفي، أو التهنئة
والتعزية في المناسبات العامّة. والصلة بما تقدر عليه من المعونة في الشدائد، هذا
التخفيف والتوسط لا يُعد قطيعة محرمة، بل هو تدبير شرعي سائغ للحفاظ على ودٍّ باقٍ
ودفعِ شرٍّ مستطير، وذلك بعد اتخاذ خطوات التحقق والإصلاح الواجبة.
أولا:
ما هي الرحم الواجب صلتها حتى لا يختلط الأمر على السائل:
اختلف
العلماء في تحديد "الرحم" التي تجب صلتها ويحرم قطعها على ثلاثة أقوال
رئيسة، والراجح منها -وهو قول جمهور الفقهاء- أن الأرحام تنقسم إلى قسمين:
الرحم
الواجبة صلتها: وهم الأقارب المحارم الذين لو فرضنا أحدهما ذكرًا
والآخر أنثى لم يجز لهما النكاح، بالإضافة إلى الأصول الآباء والأمهات وإن علوا
والفروع الأولاد وأولادهم وإن نزلوا.
الرحم
المستحبة صلتها: وهم بقية الأقارب من غير المحارم كأولاد الأعمام، وأولاد الأخوال
والخالات، فهؤلاء تجب لهم صلة الإسلام العامة، ويُستحب صلتهم صلة خاصة تزيد من
ترابط الأسرة، لكن لا يأثم المرء إثم "القطيعة الموعود عليها باللعن"
إذا اقتصر في حقهم على السلام العام وبشاشة الوجه ولم يصلهم بالمال والزيارة، ما
لم يكن هناك رحم واجبة تضررت.
ثانيًا:
أقوال العلماء في حد الصلة ودفع الأذى بالهجر الجميل
اتفق
الفقهاء قديمًا على أن صلة الرحم تتحقق بأي مظهر من مظاهر التواصل، وأن السلام
يقطع الهجرة والقطيعة، ولا يشترط فيها كثرة الزيارات إذا كانت تجلب الأذى، ومنه:
ما
جاء في "الآداب الشرعية" للإمام ابن مفلح الحنبلي:
"قَالَ
الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ [ابن تيمية] رَحِمَهُ اللَّهُ: وَصِلَةُ الرَّحِمِ
تَكُونُ بِالْمَالِ، وَبِالْفِعْلِ، وَبِالْقَوْلِ بِالسَّلَامِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ،
وَذَلِكَ بِحَسَبِ حَاجَةِ الرَّحِمِ وَقُدْرَةِ الْوَاصِلِ، وَبِحَسَبِ مَا
جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ وَالْعُرْفُ" الآداب الشرعية، 1/437.
ما
نقله الإمام القرطبي المالكي في تفسيره:
بيّن
القرطبي أن الهجر والابتعاد جائز إذا كان في القربى أذى في الدين أو الدنيا، فقال: "إذَا
كَانَ فِي صِلَتِهِمْ دُخُولُ ضَرَرٍ عَلَيْكَ فِي دِينِكَ أَوْ دُنْيَاكَ،
فَالْبُعْدُ عَنْهُمْ غَنِيمَةٌ، وَصِلَتُهُمْ حِينَئِذٍ تَكُونُ بِالدُّعَاءِ
لَهُمْ بِظَهْرِ الْغَيْبِ، وَبِالسَّلَامِ إِذَا الْتَقَيْتُمْ، لِيَخْرُجَ
الْمَرْءُ مِنْ حَدِّ الْهَجْرِ الْمَحْظُورِ" تفسير القرطبي، 16/248.
ما
جاء في "فتح الباري" للإمام ابن حجر العسقلاني الشافعي:
"قَالَ
الْقَاضِي عِيَاض: لَا خِلَافَ أَنَّ صِلَةَ الرَّحِمِ وَاجِبَةٌ فِي الْجُمْلَةِ،
وَقَطِيعَتَهَا مَعْصِيَةٌ كَبِيرَةٌ... وَلَكِنَّ الصِّلَةَ دَرَجَاتٌ بَعْضُهَا
أَرْفَعُ مِنْ بَعْضٍ، وَأَدْنَاهَا تَرْكُ الْمُهَاجَرَةِ، وَصِلَتُهَا
بِالْكَلَامِ وَلَوْ بِالسَّلَامِ" فتح الباري، 10/418.
ثانيًا:
فتاوى العلماء المعاصرين في تلافي أذى الأقارب
سماحة
الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله:
سُئل
عن أقارب يسببون مشاكل بين الرجل وزوجته ويؤذونه بلسانهم، فأجاب: "الواجب
صلتهم بالكلام الطيب، والسلام، والدعاء لهم بظهر الغيب، وإذا كان التزاور يسبب
مشاكل فلا مانع من تركه والاكتفاء بالاتصال التلفوني والسلام العابر عند اللقاء،
لقوله ﷺ: بُلُّوا
أَرْحَامَكُمْ وَلَوْ بِالسَّلَامِ، وبذلك تسلم من شرهم ولا تكون قاطعًا"
فتاوى نور على الدرب.
القواعد
الفقهية الحاكمة:
تتأصل
هذه المسألة تحت جملة من القواعد الفقهية التي توازن بين جلب المصالح ودفع المفاسد:
قاعدة:
"الضرر يُزال" و "لا ضرر ولا ضرار"
أذى
الأقارب اللساني وسعيهم بالإفساد بين الرجل وزوجته ضرر معتبر شرعًا، والشرع يبيح
للمتضرر اتخاذ الوسائل التي تزيل هذا الضرر عن بيته، ومنها تقليل الخلطة والابتعاد
عنهم.
قاعدة:
"دفع المفاسد مقدم على جلب المصالح"
مصلحة
التوسع في صلة الرحم بالزيارات الطويلة تُدفع إذا كان يترتب عليها مفسدة أعظم، وهي
طلاق الزوجة أو خراب البيت واشتعال العداوات.
قاعدة:
"المشقة تجلب التيسير"
حصول
النزاعات والاضطرابات النفسية والأسرية بسبب المخالطة يمثل مشقة على المكلف، فيأتي
التيسير الشرعي بجواز الاكتفاء بالحد الأدنى من الصلة كالسلام الرسمي تخفيفًا عنه.
تنبيهات
وإرشادات شرعية وتربوية واجبة
1.
التفريق بين درجات القرابة المختلفة
يجب
أن تنتبه جيدًا إلى أن الأقارب ليسوا في مرتبة واحدة من حيث وجوب الصلة وعظم الإثم
بالتقصير؛ فالأب والأم هما أعلى درجات القرابة، وبرهما واجب قطعي لا يسقط بحال من
الأحوال، ولا يجوز هجرهما أو جفاؤهما مهما كان الأذى؛ بل يصاحبان بالمعروف مع كف
الأذى عن الزوجة بحكمة. تلي ذلك مرتبة الأخوة والأخوات والأولاد، ثم تأتي مراتب
الأرحام الأخرى كالأعمام والأخوال وأولادهم، والذين يتسع فيهم باب الاكتفاء
بالسلام الرسمي والصلة المخففة ما دام في خلطتهم أذى.
2.
التحقق والتفتيش وعدم افتراض براءة النفس
من
القواعد العقلية والشرعية ألا تستمع إلى طرف واحد وتصدر حكمًا بقطع أقاربك؛ فلا
تفترض آلياً أن زوجتك بريئة تمامًا من إشعال هذه الخصومات، فربما صدر منها تصرف،
أو كلمة، أو إشارة فُهمت خطأً أو كانت هي البادئة بالأذى. فتش وتنبه بحيادية
وعقلانية، واجعل ميزانك العدل والتحقق؛ لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا}.
3.
التوسط في المعاملة لا قطع تام ولا تواصل مفرط
خير
الأمور الوسط؛ فليس هناك داعٍ للقطيعة التامة المطلقة التي تأثم بها كعدم رد
السلام أو إظهار العداء الشديد وبغض الذات، كما أنه لا داعي للتواصل المفرط
والخلطة الزائدة التي تجلب المشاكل لبيتك. اجعل علاقتك بهم قائمة على "الحياد
الإيجابي والتواصل الرسمي"؛ تواصل طيب متزن في المناسبات والأعياد، عيادة
المريض، تعزية في مصاب، مع وضع حدود واضحة تحمي خصوصية بيتك وزوجتك من التدخل
والفضول، أضف إلى هذا أنهم رحمك أنت، وليسوا رحم زوجتك، فيمكنها الابتعاد عما
يؤذيها، وهنا يأتي دورك فلا تتشدد في إجبارها على صلة أهلك رغم الأذى.
4.
تجربة طرق الإصلاح أولاً لاستفراغ الوسع
قبل
أن تقرر الانكفاء والتحول إلى الصلة الرسمية، جرب طرق الإصلاح والحلول الودية
أولاً؛ كأن تجلس مع العقلاء من أقاربك وتصارحهم بعتاب رقيق، أو تُدخل وسيطًا من
الأسرة يثقون برأيه لتقريب وجهات النظر وتوضيح الأمور. فإذا بذلت هذه الجهود
واستعملت الحكمة وعجزت بعد ذلك عن كف أذاهم، تكون قد استفرغت وسعك وعذرت نفسك أمام
الله، وحينها يكون تراجعك للصلة الرسمية حمايةً لبيتك وعملاً بالرخصة الشرعية
السائغة. والله تعالى أعلى وأعلم.
روابط
ذات صلة: