رسالة عتاب من فتاة ملتزمة

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. فاطمة عبد الرءوف
  • القسم : استشارات أخرى
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 34
  • رقم الاستشارة : 6004
30/09/2026

أنا الفتاة صاحبة الرسالة التي اشتكيت فيها من الحزن والألم لأني تجاوزت الثلاثين بدون زواج.. وقد تفضلت أ. فاطمة عبد الرءوف بالرد عليّ.. شكرًا جزيلًا لرد حضرتك.

قررت أن أرسل استشارتي إليكم لعلّي أجد في ردكم ما يخفف عني شيئًا من حزني، فإذا بي أعود من الرد بحزن مضاعف، وأجد نفسي الآن متهمة ومطالبة بالدفاع عن نفسي. فقد أصبحت ـ بحسب ما فهمت من رد حضرتك ـ صاحبة «خلل واضح في فهم الدين والعلاقة مع الله» ومن «تلبيس إبليس»، وأصبح حفظي لكتاب الله مجرد «انشغال بالظاهر»، أما باطني ففارغ لأن «المعاني لم تصل إلى القلب»، وأصبحت كذلك متهمة بسوء الظن بالله.

وأقول لحضرتك بكل ألم: هلا شققتِ عن قلبي؟ هل تعلمين كيف كانت علاقتي بالقرآن طوال هذه السنوات؟ وهل تعلمين ما الذي لمسته من معانيه وما الذي تركه في نفسي؟ وهل تعلمين أصلًا تفاصيل علاقتي بالله حتى يُحكم عليها من خلال بضعة أسطر كتبتها إنسانة في أشد حالات ألمها؟

أنا لم أقل إنني أستحق الزواج لأنني أفضل من غيري، ولم أقل إنني أعبد الله مقابل مكافأة دنيوية. كل ما قلته أنني دعوت الله سنوات طويلة، وحاولت أن ألتزم وأتقرب إليه، ومع ذلك فأنا الآن في حالة ألم وحزن شديدين.

هذا سؤال وألم، وليس بالضرورة سوء ظن بالله. وقد آلمني أن ينتقل رد حضرتك بي من مشكلتي الأصلية التي كتبت الاستشارة بسببها: «أنا وحيدة، خائفة، حزينة، وأبكي يوميًا»، إلى مشكلة إضافية: «ربما علاقتي بالله فيها خلل، ربما أنا آثمة، ربما ضللني إبليس». فبدل أن أحمل همًّا واحدًا، شعرت أنني خرجت من الرد وأنا أحمل همًّا آخر فوقه، وهو الشك في ديني وفي علاقتي بالله.

وتساءلتِ في ردك: ما معنى الابتلاء إذن؟ وأنا أعلم معنى الابتلاء، وقد مررت بابتلاءات شديدة بالفعل. فمنذ ستة أشهر فقط فقدت والدي الحبيب، وخلال عامين متتاليين أجريت عمليتين جراحيتين، من بينهما جراحة في العمود الفقري جعلتني طريحة الفراش لعدة أشهر.

ومع ذلك، كنت ولا زلت أردد بقلبي ولساني: الحمد لله، وأرضى بقضاء الله وقدره. أنا لا أعبد الله على حرف، ولا أجهل أن الدنيا لا تساوي عند الله جناح بعوضة، ولا أتعامل مع الله كما وصفتِ الأمر بأنه «تعاقد تجاري استثماري». وقد دعوت الله بدعوات استجابها، ودعوت بدعوات أخرى لم تُستجب بالصورة التي تمنيتها، ولم أقنط ولم أقل إن الله لم يحسن إليّ لأنني أحسنت.

أنا الآن فقط في ابتلاء شديد من الحزن والفقد والوحدة والخوف، وكنت أرجو أن أجد في الاستشارة جبرًا لخاطري، لا محاكمة لعلاقتي بالله. كنت أتمنى، مثلًا، أن تذكريني بقول الامام ابن الجوزي "فإذا جاء إبليس، فقال: كم تدعوه ولا ترى إجابة! فقل: أنا أتعبد بالدعاء" ... أن تنتقلي معي فقط الى مشهد في الاخرة عندما يرى المؤمن دعواته التي لم تستجب ويتمنى في هذا الموقف لو أن الله لم يستجب له أي دعوة في الدنيا، لعِظم وجلال الثواب الإلهي الذي يراه محفوظاً له في الآخرة، بدل أن أخرج من الاستشارة وأنا أشعر أنني متهمة في ديني.

أما قول حضرتك: «ماذا لو كنتِ قد تزوجتِ رجلًا خبيثًا مؤذيًا؟»، فأنا أتفهم أن المقصود هو تذكيري بأن الزواج ليس خيرًا مطلقًا في كل صورة، لكن هذا المثال لم يعالج ألمي، بل زاده.

أنا أعلم جيدًا أن الزواج من شخص سيئ قد يكون مصيبة، ولذلك رفضت بالفعل أشخاصًا لم أرَ فيهم الأخلاق أو الصلاح الذي أبحث عنه. لكن الإنسان المحروم من شيء يتمناه لا يحتاج في كل مرة إلى أن يُذكَّر بأن هناك نسخة أسوأ من الحرمان.

وجود مصائب أكبر لا يلغي مصيبته هو. فلو كان إنسان محرومًا من القدرة على المشي، فلن يكون من المناسب أن نقول له: «احمد الله أنك لم تفقد ذراعك أيضًا». هو يحتاج أولًا إلى من يقول له: «أعلم أن فقدان قدرتك على المشي مؤلم»، ثم يساعده على التعامل مع واقعه.

ومن شدة ألمي من الرد، وجدتني أقارنه بمواقف من هدي النبي صلى الله عليه وسلم في التعامل مع أصحاب الألم والضعف. حين جاءه الشاب يسأله عن الزنا، لم يبدأ بتوبيخه أو اتهامه في دينه، بل اقترب منه، وحاوره، ووضع الأمر أمامه بطريقة يفهمها قلبه وعقله، ثم دعا له. وحين حزن الصغير أبو عمير على طائره، لم يقل له النبي صلى الله عليه وسلم: هناك أطفال يتامى ومبتلون، فلماذا تحزن على طائر؟ بل شعر بحزنه وواساه. وأنا لم أكن أطلب أكثر من هذا القدر من الجبر.

كنت أتمنى كلمة أمل، أو دعوة صادقة بزوج صالح، أو بتفريج الهم والكرب، أو تذكيرًا بأن أبواب الحياة لم تُغلق أمامي، وأن تأخر الزواج لا يعني انتهاء الأمل. لم أكن أتوقع أبدًا أن يكون ما كتبته سببًا للحكم عليّ بأنني سيئة الظن بالله، أو أنني لم أفهم معنى الابتلاء، أو أن حفظي للقرآن لم يصل أثره إلى قلبي، أو أن باطني فارغ لأنني ذكرت أنني أحاول أن أشغل وقتي بالقرآن والدراسة والعمل.

وأما القرآن، فقد عدت إليه بالفعل بعد رد حضرتك، لا لأنني اقتنعت بأن حفظي كان مجرد انشغال بالظاهر، وإنما لأن القرآن هو المكان الذي أجد فيه نفسي أصلًا. وقرأت قول نبي الله يعقوب عليه السلام: «إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ»، فشعرت أنني كنت مخطئة حين قررت أن أشكي همي وحزني إلى أحدٍ من البشر ربما كنت أحتاج فقط إلى من يسمعني وأنا في أشد حالات ضعفي، لا إلى من يفسر ألمي على أنه خلل في علاقتي بالله.

جزاكم الله خيرًا على وقتكم، وأرجو فقط أن تعلمي أن كلماتك، رغم أنني أعلم أن مقصدها قد يكون النصح، آلمتني بشدة، وربما لأنني كتبت إليكم وأنا أصلًا في أسوأ حالاتي النفسية، كنت أحتاج إلى جبر الخاطر قبل أي شيء آخر.

أسأل الله أن يجزيكم خيرًا، وأن يرزقني وإياكم حسن الظن به، والرضا عنه، واللجوء إليه، وأن يجبر قلبي جبرًا يليق بكرمه ورحمته.

الإجابة 30/09/2026

ابنتي الكريمة، الغالية قبل أي شيء أريد أن أعتذر لك اعتذارًا صادقًا عن أي ألم تسببت فيك كلماتي.. حقًّا أعتذر إليك.

 

وأنا غاليتي لا أحاكمك ولا أشقق عن قلبك، وبالتأكيد أنت لست متهمة بحاجة لأي تبرير.. وبالفعل أنا لا أعرف الكثير عن ملابسات حياتك، فليس أمامي سوى رسالة أحاول استنطاقها؛ لذلك فالخطأ وارد وأنا أصدق بالفعل كل ما كتبته وشعرت به فأرجو أن تسامحيني.

 

أنا لا أقلل أبدًا من ألمك وحزنك.. ولا يمكنني التقليل من الألم والحزن؛ فالحزن شعور إنساني طبيعي لا يتنافى مع الإيمان، ولي مقال منشور بعنوان بين الرضا والصبر.. كيف نواجه الإيجابية السامة؟ حول هذه النقطة تحديدًا.

 

بين التهدئة والعلاج

 

ابنتي الكريمة، أنا كنت بحاجة لأن أغوص معك في أبعد من التهدئة البسيطة بالكلمات المكررة نفسها.. حتى أنت تقولين إنك مللت من النصائح المعتادة مثل اشغلي نفسك و.. و.. فهذه أمور لا تقدم حلاً حقيقيًّا مجرد مسكن مؤقت وكان بإمكاني بالطبع فعل ذلك، لكنني أردت أن أغوص معك لما هو أعمق وإن كان مؤلمًا.. لكن من أنا حتى أتهمك في دينك؟ أو أشكك في إيمانك؟

 

أنا انتقدت منهجية تفكير أردت أن أحذرك أن تقعي فيها أو أنبهك لمراجعتها.

 

لقد كان لنا في رسول الله أسوة حسنة.. عندما التقى بالمرأة التي تبكي عند القبر على صبي لها مات.. تلك المرأة التي تعاني من الفقد والألم والوجع.. امرأة فؤادها فارغ إلا من الحزن قال لها: اتق الله واصبري، فهل يعني هذا أن النبي يقول لها إنك امرأة لا تعرف التقوى.. امرأة جزعة لا تعرف الصبر.. بل كان ينبهها وينصحها ويحذرها، لكنه لم يعاتبها على الحزن، لكنها فهمت أنه لا يشعر بألمها.. لا يقدر حزنها ولا يفهمه لأنه لم يُصب بمصابها فردت عليه: إليك عني.. فإنك لم تصب بمصيبتي.

 

يا ابنتي، لم أكتب لك ما كتبت إلا لأنني لمست منك إيمانًا قويًّا وتدينًا والتزامًا، فلو كان لدي شك في ذلك ما تحدثت إليك بهذا الحديث (عكس ما تصورت إنني أظنه فيك).

 

أعترف أنني أخطأت لأن حالتك النفسية في هذه اللحظة لم تكن بحاجة لفتح هذا الملف الذي لا يقلل منك أبدًا، بل كان يناقش بعض تساؤلات خاصة بالدعاء والجزاء الدنيوي والأخروي، أسأل الله سبحانه أن يرزقك الأجرين معا وخشيت أن تتوقفي عن الدعاء بسبب هذه التساؤلات الحائرة.

 

كنت أريد أن أضع لك استشارة كاملة لذلك قسمتها على أجزاء، وهذا ما استطعت فعله لأنني بلا وسيلة تواصل معك.. ولو كان التواصل قائمًا أسألك وتجيبين.. أناقشك وتراجعينني لناقشنا فكرة فكرة وشعورًا شعورًا ببطء وهدوء حتى نصل لمرفآ آمن.

 

احكي ننصت إليك

 

يا ابنتي، عندما حكيت لي عن مشاعرك العميقة عندما ترين زوجة يهتم بها زوجها لم أرك أبدًا كفتاة سيئة وشرحت لك ذلك بالتفصيل في الجزء الأول من هذه الاستشارة، فهل أراك سيئة وأشكك في دينك لأنك تحفظين القرآن وتتعلمين القراءات؟ لأنك تجاهدين نفسك وتشغلين وقتك بأعظم الأمور وأجلها؟!

 

لكنني كنت أحدثك عن علاقة مع الله تشفي جروح الروح جميعًا، لكن يبدو أنني أخطأت في التعبير إذن نرجع خطوة للخلف.

 

أريد أن أخبرك إنني سعيدة حقًّا لحديثي إليك، وأريد أن أقول لك من قلبي أهلاً وسهلاً ومرحبًا بك في موقعك بوابة الاستشارات الالكترونية وكل الوقت والإنصات لك.. إذا أردت يمكننا أن نتحاور كل أسبوع مرة كأننا في جلسة عبر الكتابة.. إذا أردت أن تكتبي لي ما يشبه اليوميات وتقومي بتفريغ مشاعر الحزن والألم وتعتبري ذلك مساحة آمنة للبوح فثقي أنني أنصت إليك وأتفهمك، وثقي أيضًا أنني لا أحكم عليك وما كتبته لك سابقًا ليس حكمًا عليك أنت.

 

يمكننا أن نتحدث عن المشاعر وعن التواصل وعن تجارب الحياة الحلوة والمرة، لقد قدمت لي في رسالتك اليوم معلومات كثيرة لم تحكينها في رسالتك الأولى، وأنا على يقين أن لديك الكثير مما ترغبين في الحكي عنه وما تريدين شرحه عن شخصيتك.

 

ويمكننا أن نتحدث عن الأفكار وعن الدين وعن مقاصد الشريعة والفلسفة الإسلامية حديثًا منفتحًا بلا اتهامات بل حديثًا راقيًا يربط العقل بالقلب.

 

ابنتي الغالية، لقد كنت أستعد لكتابة الجزء الثالث من الاستشارة والذي كان مخصصًا لأفكار عملية وتطبيقية لحل مشكلة التأخر في الزواج، لكنني توقفت لأرد على رسالتك التي آلمتني فقد كان آخر ما أريده أن يصل كلامي إليك بهذه الصورة.. وكل ما أرجوه من الله عز وجل أن تكوني تفهمت وجهة نظري وأن تكوني قد تقبلت اعتذاري، وأن تفكري في فكرة الكتابة الأسبوعية أو حتى الشهرية فهي أفضل كثيرًا من الرد المكتوب المكثف الذي قد يحرق أجزاء من الاستشارة أو لا يمنحها حقها من الرد أو يساء فهمه.. كما أنه يمنحني تفاصيل صغيرة مهمة.

 

غاليتي، سوف أكمل الجزء الثالث الذي أنتوي أن أكتب لك فيه بالإضافة للأفكار العملية عن أثر فقد والدك رحمه الله عز وجل ورزقه الفردوس الأعلى عليك وعلى مشاعرك المتوجعة وأيضًا عن موضوع العلاج النفسي وأرحب بردك وتعليقك عليه.. أسعد الله قلبك ورزقك الفرح والسعادة وراحة البال، وجبرك جبرًا يتعجب له أهل السماء والأرض وصب عليك الخير والرزق صبًّا وجعل القرآن العظيم ربيع قلبك ونور صدرك وجلاء حزنك وذهاب همك وسأكون سعيدة بردك وتعليقك.

 

روابط ذات صلة:

هل الرضا يمنحنا قوة نفسية؟

التردد بين الرضا والدعاء.. هل طلب الفرَج ينافي التسليم؟

هل تحتاج عقولنا إلى قيمة الرضا؟

كيف أصل إلى الرضا الحقيقي بأقدار لا أفهمها؟

التعليقات

الرابط المختصر :