الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : المعاملات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
23 - رقم الاستشارة : 5357
20/07/2026
أنا جراح مسلم، وأعمل مع طبيب بريطاني غير مسلم أنقذ حياة الكثيرين، وقد أُصيب مؤخراً بفشل كلوي ويحتاج لزراعة عاجلة، وأنا أمتلك فصيلة دم مطابقة وأرغب بالتبرع له بكليتي دون مقابل لإنقاذ حياته؛ فهل يجوز لي شرعاً التبرع بعضو مني لشخص غير مسلم؟
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،
وبعد:
فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، واسمح لي أن أحيّي
فيك روح الإنسانية السامية، والخُلق الإسلامي النبيل، وشعور الوفاء والرحمة الذي
يجسد جوهر مهنة الطب ورسالة الإسلام؛ فالإسلام دين الرحمة المهداة للناس كافة،
والاعتراف بالجميل لمن أنقذ أرواح البشر هو سلوك مقبولٌ شرعاً وعقلاً.
مسألة التبرع بالأعضاء لإنقاذ حياة إنسان معصوم الدم هي
من أبهى صور التعاون على البر والإحسان، وتزداد أهميتها بين الزملاء في الميدان
الطبي الذي يقوم أساسًا على حماية الحياة البشرية ورعايتها.
اختصارًا: يجوز
لك شرعًا التبرع بـكليتك لزميلك الطبيب غير المسلم دون مقابل لإنقاذ حياته، بشرط
ألا يترتب على التبرع ضرر محقق على صحتك، وألا يكون التبرع مقابل عوض مالي بالبيع،
وأن يكون هذا الشخص غير حربي أي ليس معتديًا أو محاربًا للمسلمين.
ويأخذ هذا التصرف حكم البر والإحسان المشروعيْن بشرط ألا
يكون هناك مسلم أحوج وأقرب فهو ذو أولوية، وإن كان إنقاذ النفس المعصومة -مطلقًا-
مقصدًا شرعيًّا معتبرًا.
وتفصيلاً:
وتُعدّ الآية الكريمة من سورة المائدة الأساس الأصولي
والفقهي والأخلاقي العظيم في تقرير حرمة الحياة البشرية وعظمة إنقاذها ﴿مِنْ
أَجْلِ ذَٰلِك كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا
بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ
جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (المائدة: 32).
وقد وردت كلمة ﴿نَفْسًا﴾ بصيغة النكرة في سياق الشرط
والإثبات والجزاء، وفي قواعد الأصول النكرة إذا وردت في سياق الشرط تفيد العموم
والاطلاق، ولم تقيد الآية النفس بكونها مؤمنة أو مسلمة، بل جاءت عامة لتشمل كل
"نفس إنسانية معصومة" أي غير الحربية ولا المرتكبة لجريمة توجب القتل.
وذكر المفسرون كالطبري، والقرطبي، وابن كثير أن معنى
﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾ لا يقتصر على المنقذ من القتل، بل يشمل: الإنقاذ من الغرق،
والحرق، والهدم، والعلاج والطبابة والإنقاذ من الأمراض المتلفة.
قال الإمام مجاهد بن جبر (ت 104هـ) في تفسيرها:
"أنجاها من غرق أو حرق أو هلكة".
فالمقصود بـ "إحياء النفس" هو الاستنقاذ من
التلف والهلاك، واللفظ يشمل النفس البشرية مطلقًا دون تمييز بالدين.
موقف العلماء من التبرع بالأعضاء لمسلم أو غيره
لم تكن عمليات زراعة الأعضاء بالشكل الحديث معروفة لدى
الفقهاء القدامى، لكنهم بحثوا مسائل شبيهة كـ "وصل العظام"
و"الاستفادة من أجزاء الآدمي للمداواة عند الضرورة".
أما في العصر الحديث، فقد استقرت الفتوى لدى جماهير
العلماء والمجامع الفقهية على جواز التبرع بالأعضاء من الحي للحي بالشروط الشرعية
والطبية.
مجمع الفقه الإسلامي الدولي التابع لمنظمة التعاون
الإسلامي
جاء في القرار رقم 26 1/4 بشأن انتفاع الإنسان بأعضاء
جسم إنسان آخر حيًّا أو ميتًا: "يجوز نقل عضو من جسم إنسان حي إلى جسم إنسان
آخر تتوقف حياته، أو يتوقف وفاء وظيفة أساسية في جسمه على ذلك، بشرط ألّا يضر ذلك
بالمتبرع ضررًا يخل بحياته العادية".
هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية:
جاء في القرار رقم 99: "جواز نقل عضو أو جزئه من
إنسان حي مسلم أو ذمي إلى نفسه إذا دعت الحاجة إلى ذلك، وأمن الخطر في نزعه، وغلب
على الظن نجاح زرعه... وكذلك جواز نقل عضو أو جزئه من إنسان حي إلى إنسان آخر
تتوقف حياته على ذلك العضو".
دار الإفتاء المصرية:
استقرت على جواز التبرع بالكلية والأعضاء التناسلية غير
الناقلة للشيفرة الوراثية من الحي للحي بشروط ألّا يكون ذلك بطريق البيع أو
الإكراه، وأن تتكافأ الفرص والمنافع الطبية.
التبرع بالأعضاء لغير المسلم
ذهب جمهور العلماء المعاصرين والمجامع الفقهية إلى جواز
التبرع بالأعضاء لغير المسلم بشرط أن يكون من أهل الذمة أو المستأمنين أو
المعاهدين أي غير محارب للمسلمين، ومنهم:
فضيلة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله:
سُئل رحمه الله عن التبرع بالدم أو العضو لغير المسلم
فقال: "إذا كان الكافر غير حرب للمسلمين -كالمعاهد والذمي- فلا بأس بالصدقة
عليه والتبرع له بالدم أو العضو؛ لقوله تعالى: ﴿لَّا يَنْهٰكُمُ اللَّهُ عَنِ
الَّذِينَ لَمْ يُقٰتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ
أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (الممتحنة:
8)" (فتاوى نور على الدرب).
فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله:
أشار في مجموع الفتاوى والرسائل إلى أنه يجوز إعطاء
الكافر غير الحربي من الصدقات والطبابة ونقل الدم والأعضاء إن كان في ذلك إنقاذ
لحياته أو تأليف لقلبه.
المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث:
أكد في قراراته المتعلقة بالعلاج الطبي والتبرع بالأعضاء
في المجتمعات الغربية جواز التبرع لغير المسلم، بل أشار إلى أن تقديم المساعدة
الطبية وإنقاذ الأرواح هو أفضل وسيلة لتقديم صورة الإسلام السمحة وعرض قيم التكافل
الإنساني.
هل من العلماء من قصر جواز التبرع على المسلم؟
نعم، توجد آراء فقهية معاصرة قيدت التبرع بكون المستفيد
مسلمًا، ويرى بعض الفقهاء المعاصرين مثل الشيخ الصادق الغرياني وبعض علماء
المالكية المعاصرين أن جسد المسلم وأعضاءه لها حرمة وكرامة خاصة، فينبغي ألّا
تُنقل إلى غير المسلم إلا في حالات الضرورة القصوى أو العدم.
واستندوا إلى أن الولاء والتكافل بالأجزاء والتضحية
بالبدن أصلها أن تكون للمسلم على أخيه المسلم، واحتجوا بتقديم المسلم عند تزاحم
الأولويات، وردّ جمهور العلماء المعاصرين بأن التبرع بعضو هو من باب "الإحسان
وإنقاذ النفس المعصومة"، والشرع الشريف حث على الإحسان إلى النفس المعصومة
مطلقًا؛ فقد ثبت في الصحيحين قوله ﷺ: "فِي كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ
أَجْرٌ". وإذا كان الأجر ثابتًا بالإحسان إلى الحيوان، فكيف بالإحسان إلى
الإنسان المعصوم الذي يساهم في خدمة البشرية وإنقاذ الأرواح؟
القواعد الفقهية الحاكمة
قاعدة: الضرر يزال
تقتضي هذه القاعدة رفع المعاناة والمرض المهلك عن المريض
المتبرَع له بشرط عدم إلحاق ضرر أشد بالمتبرِع، وهو ما يحدده الأطباء المختصون.
قاعدة: الأصل في الأشياء النافعة الإباحة
الفعل النفعي الذي يحقق مصلحة حفظ النفس ولا يخالف نصًّا
صريحًا يقع على أصل الإباحة والندب.
قاعدة: الوسائل لها أحكام المقاصد
وسيلة التبرع بالكلية تؤدي إلى مقصد شرعي جليل وهو
"حفظ النفس الإنسانية"، وهو إحدى الكليات الخمس في الشريعة الإسلامية.
قاعدة: المعروف كالمشروط / معاملة أهل الفضل بالفضل
الطبيب المستفيد قضى حياته في إنقاذ أرواح الناس،
والتبرع له من باب رد الجميل ومقابلته بالإحسان، والله تعالى يقول: ﴿هَلْ جَزَاءُ
الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ (الرحمن: 60). والله
تعالى أعلى وأعلم.
روابط
ذات صلة:
بيع الدم والتبرع به للمسلمين وغيرهم في ميزان الشريعة