الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : المعاملات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
10 - رقم الاستشارة : 5083
16/06/2026
ما هو الضابط الفقهي لـ "عمل الطفل" الكاسب؟ ومتى يتحول تشغيل الصبي من باب "التربية والتدريب على الكسب" إلى باب "الظلم والمنع من التعليم الواجب"؟
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،
وبعد
فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، الطفولة في
الإسلام مرحلة عمرية مصونة، أحاطتها الشريعة الإسلامية بسياج متين من الرعاية
والحماية، وجعلت الطفل أمانة في عنق عائلته ومجتمعه. وقد تضافرت نصوص الكتاب
والسُنّة على تقرير حقوق الطفل الجسدية، والنفسية، والعلمية، والتربوية قبل أن يُطالَب
بأي تكليف أو التزام، وقبل كل المواثيق والقرارات الدولية المقررة لحقوق الطفل.
وينبغي ألا نغفل أثر الثقافات الدخيلة علينا، فقد عاشت
مجتمعاتنا ردحًا من الزمان طويلا، يراوح الأطفال بين اللعب البسيط ويتدرجون في
الأعمال حسب طاقتهم بلا عُقَد ولا شعور بالنقص، وكانوا يكبرون واثقين بأنفسهم،
قادرين على الكسب، منفتحين على مشاق الحياة وسبلها الوعرة، حتى دار الزمان دورته
لنجد من يعتبر من بلغ الثلاثين في حاجة إلى الرعاية ودعم أبويه، وفي القديم كان
ابن السادسة عشرة يقود جيشا ويحرز نصرًا، فينبغي ألا تدفعنا الرأفة بالصغار أن
نبقيهم في حظيرة الصغار حتى إذا خرجوا عنوة لمشاق الحياة ضلوا السبيل، وربما ألقوا
حينها باللوم علينا.
وفي الواقع المعاصر، برزت إشكالية "عمل الطفل
الكاسب"؛ حيث تتدثر بعض حالات الاستغلال الاقتصادي للأطفال بشعار
"التعليم والتدريب على العمل والاعتماد على النفس". ومن هنا عُني الفقه
الإسلامي بوضع ضوابط دقيقة تُفرّق تفرقة حاسمة بين إشراك الصبي في أعمال خفيفة
تناسب سنه بهدف التربية والتدريب، وبين إقحامه في أعمال شاقة تبتلع طفولته، وتمنعه
من التعليم الواجب، وتتحول إلى ممارسة محرمة من ممارسات الظلم الاجتماعي؛ إذ إن
بناء الإنسان مقدم في الإسلام على جمع الأموال.
اختصارًا: تشغيل الطفل الصغير دون سن البلوغ جائز شرعًا بشرط أن يكون بـ إذن وليه،
وأن يكون العمل مباحًا آمنًا لا مشقة فيه ولا خطورة، وألّا يعود على الطفل بأي ضرر
صحي أو نفسي أو أخلاقي.
ويتحول تشغيل الصبي من باب "التربية المحمودة"
إلى "الظلم والمنع المحرم" إذا تحقق فيه أحد أمرين:
الأول: أن
يشغله العمل عن تلقي التعليم الواجب شرعًا وهو ما لا يسع المسلم جهله من دينه، وما
تلزم به الدولة من علوم دنيوية أساسية لبناء حياته.
الثاني: أن
يتضمن العمل مشقة بدنية أو استغلالاً مجحفًا يستهلك طاقة الطفل النضرة ويدفن
طفولته، ليكون الولي هو الكاسب على حساب سلامة الصبي ونموه الطبيعي.
وتفصيلا، أقول والله المستعان
أولاً: تكييف تشغيل الصبي عند الفقهاء قديمًا وضوابطه
أجاز الفقهاء قديمًا لولي الصبي المميز أن يؤجره لتعلم
حرفة أو كسب مهارة، لكنهم اشترطوا شروطًا صارمة تمنع الضرر والظلم، ومنه ما جاء في
"مغني المحتاج" للإمام الخطيب الشربيني الشافعي فقد اشترط الشافعية أن
يكون العمل يسيرًا لا ينهك الصبي، وأن يكون في حرفة تليق به، "وَيَجُوزُ
لِلْأَبِ وَالْجَدِّ إجَارَةُ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ لِلْحَاجَةِ...
وَشَرْطُهُ أَنْ يُؤَجِّرَهُ فِيمَا يَلِيقُ بِهِ، وَأَنْ لَا يَكُونَ فِيهِ
مَشَقَّةٌ لَا تُرْكَبُ عُرْفًا، لِأَنَّ ذَلِكَ نَظَرٌ لَهُ، وَتَصَرُّفُ
الْوَلِيِّ مَنُوطٌ بِالْمَصْلَحَةِ" مغني المحتاج، 3/445.
ما قرره الإمام ابن قدامة الحنبلي في
"المغني":
أوضح أن تصرّف الولي في تشغيل الصبي يجب أن يتضمن النفع
للطفل لا للولي، فقال: "وَلِلْأَبِ أَنْ يُؤَجِّرَ ابْنَهُ الصَّغِيرَ إِذَا
كَانَ ذَلِكَ نَظَرًا لِلصَّبِيِّ فِي كَسْبِ مَعِيشَةٍ أَوْ تَعَلُّمِ صِنْعَةٍ،
فَإِنْ كَانَ فِيهِ ضَرَرٌ عَلَيْهِ أَوْ تَعْطِيلٌ لِمَصْلَحَتِهِ لَمْ يَجُزْ،
لِأَنَّ الْوَلِيَّ لَمْ يُجْعَل وَلِيًّا لِإِهْلَاكِ مَالِ الصَّبِيِّ أَوْ
إِبْطَالِ مَنَافِعِهِ" المغني لابن قدامة، 6/44.
ما جاء في "حاشية ابن عابدين" الحنفي:
منع الحنفية إجبار الصبي على عمل إذا استغنى بماله،
وأجازوه للتعلم والكسب بشرط السلامة:
"إذَا كَانَ لِلصَّبِيِّ مَالٌ فَلَيْسَ لِلْأَبِ
أَنْ يُؤَجِّرَهُ... وَإِنَّمَا يَجُوزُ إِذَا كَانَ فَقِيرًا لِيَكْتَسِبَ
نَفَقَتَهُ، أَوْ لِيَتَعَلَّمَ حِرْفَةً تَقِيهِ الْفَقْرَ فِي كِبَرِهِ،
بِشَرْطِ أَلَّا يُعَنِّفَ عَلَيْهِ فِي الْعَمَلِ" رد المحتار على الدر
المختار، 5/26.
ثانيًا: فتاوى ومواقف العلماء المعاصرين
تتطابق الفتاوى المعاصرة مع التشريعات المانعة لاستغلال
الأطفال، وتؤصل لمنع عمالة الأطفال الجائرة، فقد أكدت الفتاوى الحديثة على أن
"حرمان الطفل من التعليم الأساسي من أجل الكسب يُعدّ جريمة شرعية
وإنسانية". وجاء في توصيات إسلامية معاصرة: "إن تشغيل الأطفال في أعمال
شاقة أو تمنعهم من الالتحاق بالتعليم النظامي الواجب هو من باب الظلم الاجتماعي،
وولي الأمر سواء كان الأب أو رب العمل آثم شرعًا، والمال المكتسب من وراء إرهاق
جسد الطفل وتفويت عقله مشوب بالحرمة".
القواعد الفقهية الحاكمة:
تتحكم في واقعة عمل الأطفال وقضاياهم القواعد الفقهية
الكلية التالية:
قاعدة: "تصرف الإمام والولي على الرعية منوط
بالمصلحة"
هذه القاعدة هي الضابط الأساسي؛ فالأب لا يملك سلطة
مطلقة لتشغيل ابنه كأنه آلة للكسب، بل إن تصرفه مقيد بوجود مصلحة حقيقية راجحة
تعود على "الطفل نفسه"، كتعلم مهنة للمستقبل. فإذا انتفت المصلحة وظهر
الضرر، بطلت شرعية التصرف وأثم الولي.
قاعدة: "الضرر يُزال" و "لا ضرر ولا
ضرار"
إجهاد جسد الصغير بالأعمال الشاقة، أو تعريضه لمخاطر
المصانع والورش، أو حرمان عقله من الفهم والتعليم هو ضرر فادح ومستمر، وتوجب
الشريعة إزالته ومنع المتسبب فيه.
قاعدة: "الوسائل لها أحكام المقاصد"
إذا كان المقصد هو تربية الطفل وتأهيله للحياة وهو مقصد
مشروع، وكانت الوسيلة إليه عملاً خفيفًا مجديًا، جاز. أما إذا كانت الوسيلة العمل
الشاق الطويل تؤدي إلى مفسدة محققة وهي "أمية الطفل وضياع مستقبله"، فإن
الوسيلة تصبح محرمة تَبَعًا للمفسدة الراجحة.
حقوق الطفل في الإسلام والتفريق بين التدريب ودفن
الطفولة
لقد سبقت الشريعة الإسلامية كل المواثيق الدولية في
تقرير حقوق الطفولة، وجعلتها حقوقًا ربانية لا تملك الأسرة ولا الدولة التنازل
عنها، ومن أبرزها حق النَفَقة والِكفاية؛ حيث أوجب الإسلام على الأب نفقة ولده
بالمعروف من طعام، وكساء، ومسكن، وطبابة، فالطفل في مرحلة العناية والرعاية، وليس
في مرحلة الإنتاج والتكسب، وإجباره على العمل ليعول نفسه أو عائلته مع قدرة الأب
هو قلب للفطرة والتشريع.
كذلك يبرز حق التعليم والتربية والتحصيل العِلمي؛ فطلب
العلم فريضة، والتعليم الأساسي في زماننا أصبح وسيلة لتمكين الإنسان من العيش
الكريم وفهم دينه ودنياه، وحرمانه من المدرسة ليوضع في ورشة أو حقل هو تفويت لهذا
الحق الواجب. يضاف إلى ذلك حق اللعب والترويح وحفظ الطفولة؛ إذ اعترف الإسلام
بحاجة الطفل الفطرية للعب والنماء النفسي، وكان النبي ﷺ يداعب الصغار ويمازحهم ويقرّ لعبهم.
الفارق بين التدريب على الكسب وعمالة الأطفال الجائرة
يظهر الفارق الفاصل بينهما في معايير واضحة تنعكس على
واقع الطفل؛ فالتدريب المحمود يهدف أساسًا إلى إكساب الطفل مهارة نافعة وبناء
شخصيته وتعليمه قيمة الاعتماد على النفس، بينما تهدف العمالة الجائرة إلى
الاستغلال المادي المحض وجعل الصغير مصدرًا لدرّ الأموال على حساب نموه.
وفي حين يتميز التدريب على العمل بأن يكون خفيفًا،
ولساعات قليلة محدودة، ويُمارس غالبًا في أوقات الإجازات والفراغ، فإن العمالة
الظالمة تكون شاقة ومستمرة وتستغرق اليوم بطوله، مما يهدر وقت راحة الطفل البدنية
والذهنية.
ومن الناحية التعليمية والتربوية، فإن التدريب المشروع
يكون تابعًا للتعليم ومكملاً له، فلا يمنع الصبي من مدرسته ودروسه، بخلاف العمل
الجائر الذي يصطدم مع التعليم مباشرة ويقود حتمًا إلى حرمانه من الدراسة أو التسرب
منها. كما أن بيئة التدريب تكون آمنة أخلاقيًّا وجسديًّا وتحت إشراف وتوجيه مباشر،
في حين تُلقي العمالة بالطفل في بيئات وعرة كالورش الشاقة والمصانع والشوارع، مما
يعرضه للابتذال والأذى السلوكي والجسدي.
إن الأثر النفسي والبدني يلخص هذا الفارق تفريقًا حاسمًا؛
فالإشراك المتزن في العمل ينمي ثقة الطفل بنفسه ويزيده نضجاً وخبرة دون إنهاك، أما
العمل الشاق المستمر فإنه يدفن روح الطفولة النضرة، ويورث العقد النفسية، وينهك
الجسد النامي قبل اشتداده.
إن الإسلام عندما أباح مشاركة الصغار في بعض الأعمال،
أراد لهم أن يدخلوا معترك الحياة أقوياء أشداء، لا أن يدخلوها مسحوقين مشوهين.
فالولي الذي يسلب ابنه كتاب وقلم الطفولة ليعطيه أدوات العمل الشاق قبل أوانه، هو
وليّ خائن للأمانة، جائر في الرعية، ومخالف لصريح قول النبي ﷺ: "كَفَى
بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَعُوْلُ". والله
تعالى أعلى وأعلم.
روابط
ذات صلة:
كيف رعت الحضارة الإسلامية الطفولة وحقوقها؟