الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : المعاملات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
13 - رقم الاستشارة : 5592
15/08/2026
أنا مقيم بالسعودية وحاولت تقسيط سيارة من إحدى الشركات أو المعارض لكنهم متعاقدون مع جهات تمويل تقوم بتقديم المبلغ بصيغة الإجارة (عقد تمويل مركبات بصيغة الإجارة (للأفراد)) فما حكم ذلك؟
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد
فأهلا وسهلا ومرحبا بك أخي الكريم، وإن عقود تمويل المركبات عبر صيغة
«الإجارة المنتهية بالتمليك» أو الإجارة مع الوعد بالتمليك تُعد من المعاملات
المالية الحديثة والشائعة في البنوك وشركات التمويل بالمملكة وغيرها.
وحقيقة هذا العقد في صورته التمويلية أنه يجمع بين عقد إجارة للسيارة خلال
فترة زمنية محددة مقابل أقساط شهرية، وبين وعد أو عقد تمليك بيع أو هبة تنتقل
بموجبه ملكية المركبة إلى المستأجر في نهاية المدة بعد سداد جميع الدفعات المحددة
والدفعة الأخيرة إن وجدت. ولما كانت هذه المعاملة مُرَكَّبَة وتتداخل فيها أحكام
عقد البيع مع أحكام عقد الإجارة، فقد التفت إليها العلماء والهيئات الشرعية لبيان
ضوابطها الشرعية والتمييز بين الصور الجائزة والصور المحرمة منها.
اختصارا:
يختلف حكم عقد الإجارة المنتهية بالتمليك بحسب الصياغة الشروط المضمنة في
العقد:
الصور المحرمة غير الجائزة: إذا كان
العقد يجمع بين البيع والإجارة في سند واحد بصيغة ملزمة تتردد بين العقدين دون
استقرار، أو إذا اشترط المؤجر تحميل المستأجر كافة تبعات الهلاك والتأمين والصيانة
الأساسية الهيكلية، أو إذا تضمن غرامات تأخير مرتبة على الأقساط.
الصور الجائزة: إذا ضبط العقد
بالمعايير الشرعية المعتمدة؛ بحيث يقع العقد على إجارة حقيقية تضمن للمؤجر ملكية
العين وتبعاتها من التأمين التعاوني والصيانة الأساسية، ويكون التمليك بوعد مستقل غير
ملزم للطرفين بنفس لحظة الإجارة أو ملزم للمؤجر فقط، ولا يُحمَّل المستأجر إلا
الصيانة التشغيلية الناتجة عن الاستعمال.
وقد صدرت اللائحة التنفيذية لنظام الإجارة التمويلية الصادرة عن البنك
المركزي السعودي لتنظيم هذه العقود وقامت بتفصيل أحكام الصيانة الأساسية والتعويضات بما
يوافق أحكام الشريعة، إلا أنه يلزمك قبل التوقيع مراجعة بنود العقد نفسه أو التأكد
من إقراره من قِبل الهيئة الشرعية للمؤسسة التمويلية، للتأكد من خلوه من البنود
المخالفة كتحمل الصيانة الهيكلية أو غرامات التأخير الربوية.
وتفصيلا:
فقد استند العلماء في تكييف هذا العقد المحدث إلى أصول وقواعد قررها
الفقهاء المتقدمون في بابي البيع والإجارة ومنها:
النهي عن الجمع بين عقدين متنافيين في عقد واحد (صفقتين في صفقة):
وذلك لأن طبيعة عقد الإجارة وتبعاته تختلف عن عقد الملكية وتبعاته، وفي
الحديث الشريف: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ
صَفْقَتَيْنِ فِي صَفْقَةٍ» رواه أحمد والترمذي وصححه.
قال الإمام ابن قدامة المقدسي الحنبلي في المغني 4/160: «ولو قال: بعتك
داري هذه على أن تؤجرني إياها بكذا، أو على أن تبيعني دارك بكذا.. فهذا العقد
فاسد؛ لأنه اشترط عقدين في عقد، والنبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيعتين في
بيعة».
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى 29/345: «الجمع بين عقود
المعاوضات المتضادة الأحكام يوجب الجهالة والغرر، إذ لا يستقر للعين حكم البيع ولا
حكم الإجارة، وأحكام الملك تختلف عن أحكام الإجارة من حيث الضمان والنفقة».
ضمان العين المؤجرة على المالك المؤجر:
قال الإمام الكاساني الحنفي في بدائع الصنائع 4/210: «العين المؤجرة أمانة
في يد المستأجر، فلا يضمن إلا بالتعدي أو التفريط، لأن المنافع هي المعقود عليها،
أما العين فباقية على ملك المؤجر وضمانه».
القرارات والآراء الفقهية المعاصرة:
أ. قرار هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية رقم 198 وتاريخ
6/11/1420 هـ:
أصدرت الهيئة قراراً مفصلاً بعد دراسة الصور الشائعة في المعارض والشركات،
وجاء فيه المنع من الصور التي تشتمل على إجحاف أو جمع متناقض: «بعد البحث والتدقيق
تقرر بأغلبية أعضائها: أن هذا العقد غير جائز شرعاً؛ لما يلي:
· أنه جامع بين عقدين على عين واحدة غير مستقر
على أحدهما، وهما مختلفان في الحكم متنافيان فيه.
· أن الأجرة حددت بأجل البيع، وجعلت قسطاً
يستوفى به ثمن السيارة.
· أن الضمان فيه على المستأجر لا على المؤجر،
خلافاً لمقتضى عقد الإجارة؛ حيث إن العين المؤجرة ضمانها على مالكها لا على
المستأجر».
وقد بينت الهيئة في قرارها أن عدم الجواز ينصب على الصور المذكورة أعلاه،
بينما تجوز المعاملة إذا أصلحت صيغتها الشرعية.
وقد قرر العلماء الصور الممنوعة والمباحة في هذا النوع من العقود:
الصور الممنوعة:
عقد إجارة ينتهي بتمليك العين مقابل ما دفعه المستأجر من أجرة خلال المدة
دون إبرام عقد جديد.
إجارة عين لشخص بأجرة معلومة ولمدة معلومة مع عقد بيع معلق على سداد كامل
الأجرة.
الصور الجائزة:
عقد إجارة يُمكّن المستأجر من انتفاع بالعين بأجرة معلومة، ومعه وعد مستقل
غير ملزم بتمليك العين للمستأجر بعد سداد كامل الأجرة عن طريق البيع بسعر السوق أو
بسعر متفق عليه عند التمليك، أو عن طريق الهبة.
أن تكون الصيانة الأساسية التأسيسية والتمويلية والتأمين التعاوني على
المؤجر المالك، بينما تكون الصيانة التشغيلية الدورية على المستأجر.
وقد قرر الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله في الشرح الممتع على زاد
المستقنع 9/40-42: «إذا كان العقد يتردد بين الإجارة والبيع، بحيث إن تلف المبيع
كان من ضمان المستأجر، وإن أردتم الفسخ جعلتموها إجارة والأقساط أجرة، فهذه حيل وحرام ولا يجوز... أما إذا كانت إجارة
حقيقية بشرط أنه إذا انتهت المدة ووفّى بالأقساط وجب على المؤجر أن يبيعها عليه
بثمن يتفقان عليه أو يوهب له، وكان ضمان التلف على المالك المؤجر، فهذا عقد صحيح
لا غبار عليه».
القواعد الفقهية الحاكمة:
قاعدة: «العبرة في العقود للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني»
إذا سمي العقد "عقد إجارة" ولكن وُضعت فيه شروط تفرض على
المستأجر سداد كامل ثمن السيارة مع الأرباح وتحمل مخاطر هلاكها كمالك، فإن العقد
حقيقته بيع مستتر أو معاملة ربوية، ولا عبرة بتسميته "إجارة".
قاعدة: «الخراج بالضمان» وقاعدة: «الغنم بالغرم»
المالك المؤجر الذي يستحق الأجرة يجب عليه أن يتحمل تبعة هلاك العين
وضمانها وتأمينها فلا يجوز شرعاً أن يأخذ المؤجر الأجرة كاملة ثم يشترط أن يكون
ضمان تلف السيارة كلياً على المستأجر.
قاعدة: «الأصل في المعاملات الإباحة»
العقود التمويلية المحدثة أصلها الحل والجواز، ما لم تشتمل على مفسدة شرعية
كالربا في غرامات التأخير، أو الغرر والجهالة في عدم استقرار العقد، أو الظلم في تحميل
الطرف الضعيف ما لا يلزمه.
قاعدة: «النهي عن تعليق عقود المعاوضات على الشروط الخاطرة»
لا يجوز دمج البيع والإجارة في صيغة جازمة واحدة تجعل العقد معلقاً
ومتردداً بين أصلين متناقضين، بل يجب أن يكون عقد الإجارة كاملاً ومستقلاً، وتمليك
السيارة يتم بعقد مستقل بيع أو هبة عند نهاية مدة الإجارة.
والله تعالى أعلى وأعلم