عوادم وملوثات المصانع في ميزان الشرع

Consultation Image

الإستشارة 20/09/2026

هل تعاقب شرعًا المنشآت الصناعية التي تطلق انبعاثات تضر بالبيئة استنادًا لقاعدة "لا ضرر ولا ضرار"؟ وما تكييف "ضمان التلف" المترتب على الإضرار بالحيوان والنبات والموارد العامة؟

الإجابة 20/09/2026

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:

 

فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، وإن حفظ البيئة من التلوث يُعدُّ مقصدًا من مقاصد الشريعة الإسلامية المتفرعة عن كليات "حفظ النفس والمال". وقد نهى الله تعالى عن الإفساد في الأرض بجميع صوره، وجعل الشارع الحكيم أساس التعامل بين الناس مبنيًا على نفي الإضرار بالغير. وانبعاثات المنشآت الصناعية السامة التي تلوث الهواء والماء والتربة تُعد مفسدة شرعية وإضرارًا بالعباد والبلاد، مما يستوجب تدخل أولياء الأمر لمنعها وتغريم المتسببين فيها لحماية المصلحة العامة.

 

اختصارًا: ديانةً فمما لا شك فيه يأثم أصحاب المنشآت الصناعية التي تطلق انبعاثات ضارة بالبيئة إذا كانوا على علم بهذا، وشرعًا يعاقبون بـ "التعزير" المناسب كالغرامات المالية، أو سحب التراخيص، أو الإغلاق، استنادًا إلى قاعدة "لا ضرر ولا ضرار".

 

أما تكييف "ضمان التلف" المترتب على إضرار هذه المنشآت بالحيوان والنبات والموارد العامة، فهو يندرج فقهيًّا تحت باب "الإتلاف بالتسبب"؛ فالمصنع لا يباشر الإتلاف بيده، ولكنه يتسبب فيه بانبعاثاته السامة. والقاعدة الشرعية تقرر أن "المتسبب ضامن إذا كان متعديًا"، ومخالفة المنشآت للمعايير والاشتراطات البيئية تُعد "تعديًا" يوجب عليها ضمان التعويض المالي عن كل ما هلك من حيوان أو نبات، مع التكفل بنفقات إصلاح الموارد العامة الملوثة.

 

وتفصيلاً:

 

أولاً: آراء العلماء قديمًا

 

لم يغفل الفقهاء الأوائل عن معالجة التلوث البيئي في صورته القديمة كدخان الأفران، ومخلفات الحمامات العامة، والروائح المؤذية:

 

وقد نص المالكية صراحة على منع إقامة ما يضر بالجيران أو البيئة المحيطة. جاء في فقه النوازل عندهم: "ووجه الضرر فيما ذكر، هو الدخان الذي يحصل من الفرن والحمام، فيدخل على الجيران في دورهم ويضرهم".

 

وميز الأحناف في تلوث الهواء بين الضرر اليسير والضرر الفاحش، وأوجبوا إزالة الضرر الفاحش وتقييد حرية المالك. وقد نص العلامة "ابن عابدين" في حاشيته "رد المحتار" على منع المالك من التصرف في ملكه إذا كان تصرفه يلحق بالغير ضررًا فاحشًا، كالدخان الكثيف الذي يضر بالممتلكات أو يخنق الأنفاس.

 

ثانيًا: آراء العلماء حديثًا

 

صدر العديد من القرارات الفقهية المعاصرة التي تُنزل هذه القواعد على المنشآت الصناعية الحديثة، ومن أهمها قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي التابع لمنظمة التعاون الإسلامي رقم 185 في دورته التاسعة عشرة، بشأن "البيئة والحفاظ عليها من منظور إسلامي"، حيث أكد المجمع على:

 

ـ تحريم كل تصرف يؤدي إلى تلوث البيئة وإفسادها.

 

ـ جواز فرض عقوبات تعزيرية رادعة من قبل ولي الأمر على الجهات التي تخالف قوانين حماية البيئة.

 

ـ وجوب تضمين المتسببين في التلوث البيئي المصانع والشركات نفقات معالجة الأضرار التي ألحقوها بالبيئة بناءً على قاعدة الضمان.

 

القواعد الفقهية الحاكمة في الضرر الناتج عن عوادم وملوثات المصانع:

 

قاعدة لا ضرر ولا ضرار: وهي العمدة في هذا الباب، وتدل على تحريم إيقاع الضرر ابتداءً بالبيئة وعناصرها، وتحريم الاستمرار فيه.

 

قاعدة الضرر يُزال: توجب على أصحاب المصانع التوقف الفوري عن إطلاق الانبعاثات السامة، والبدء في معالجة وإصلاح الموارد البيئية التي أفسدوها.

 

قاعدة المتسبب ضامن إذا كان متعديًا: وهي القاعدة التي تُكيّف المسؤولية المدنية للمصنع عن إتلاف الثروة الحيوانية والنباتية؛ فبما أن المصنع "متعدٍّ" بتجاوزه لنسب التلوث المسموح بها قانونًا وشرعًا، فإنه يتحمل تعويض كل إتلاف نتج عن هذا التعدي.

 

قاعدة يُتحمّل الضرر الخاص لدفع الضرر العام: إذا تعارضت مصلحة صاحب المصنع الذي سيتضرر ماليًا بتركيب مرشحات غالية أو الإغلاق مع مصلحة المجتمع في بيئة نقية، يُقدم دفع الضرر العام، ويُجبر المصنع على الالتزام وإن أضر ذلك بمالكه.

 

قاعدة درء المفاسد مقدم على جلب المصالح: العوائد المالية وتوفير السلع التي ينتجها المصنع مصلحة لا تبرر السكوت عن إهلاكه للحرث والنسل وإضراره بصحة الناس مفسدة، لذا يُقدم درء مفسدة التلوث على منفعة الصناعة حتى تستقيم وفق المعايير الآمنة. والله تعالى أعلى وأعلم.

 

روابط ذات صلة:

صرف مخلفات السفن والمصانع في المياه في ميزان الشريعة

التعليقات

الرابط المختصر :