كيف أكتسب مهارة المرونة النفسية في مواجهة التحديات؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. مصطفى عاشور
  • القسم : قضايا إنسانية
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 18
  • رقم الاستشارة : 6302
04/11/2026

هل نحتاج إلى المرنة في حياتنا، أم أن المرونة ذات مدلولات سلبية، وهي المرونة تعني ضياع الشخصية والنفاق، أم أنها مهارة في التعامل مع الأزمات والمواقف وتخقيق أكبر قدر من الفائدة منها وتقليل الخسائر؟

الإجابة 04/11/2026

أخي الكريم، الإنسان يحتاج إلى المواظبة على اكتساب مهارات جديدة، وتطوير مهاراته التي يجيدها، وتعديل تصوراته تجاه مهارات تُوجد حواجز نفسية تمنع من الاقتراب منها، ومثال ذلك المرونة النفسية، التي يظن البعض أنها نوع من تبلد المشاعر، وفي أحيان أخرى نوع من النفاق الاجتماعي، وفي أحيان ثالثة نوع من عدم الثبات على المبدأ، وفي أحيان رابعة نوع من التذبذب في الرأي والموقف.

 

ورغم المدلولات السلبية في التصورات المتخيلة عن المرونة النفسية، فإن تلك المرونة مهارة ضرورية في ظل تزايد الضغوط النفسية، وكثافة المادية في الحياة اليومية، وتداخل وتشابك العلاقات الاجتماعية والإنسانية بصورة قد تفوق العصور السابقة، وهو ما يوجب أن يتحلى الإنسان بقدر من المرونة في إدارة علاقاته مع الآخرين، وإدارة تأثير التحديات والعقبات والأزمات على ذاته وما يتحلى به من قوة نفسية.

 

المرونة.. لقاح العقل

 

أخي الكريم، وصف طبيب النفس الأمريكي "ناصر قائمي" المرونة النفسية بأنها "لقاح للعقل" وذلك في كتابه "جنون من الدرجة الأولى: الكشف عن الروابط بين القيادة والمرض العقلي"، حيث قال: "المرونة النفسية هي القدرة على تحقيق نتائج إيجابية رغم التهديدات الخطيرة للتكيف أو التطور. لا تُعدّ المرونة النفسية سمة فطرية، بل هي نتاج تفاعل بين عوامل محفزة لها، كالشخصية المفرطة النشاط، وأحداث حياتية مؤلمة، مما يُفضي في النهاية إلى نتيجة إيجابية... في أبحاث علم النفس، يدعم هذا المفهوم دليلان رئيسيان:

 

أولهما: أن بعض الأشخاص يُصابون بأذى نفسي عند تعرضهم لأحداث مؤلمة، بينما لا يُصاب آخرون.

 

وثانيهما: أن بعض الأشخاص قد يكتسبون قوةً أكبر بعد هذه الأحداث، وهو ما يُعرف بتأثير "التقوية" الذي يحميهم من الضغوط المستقبلية، إن المرونة النفسية هي بمثابة لقاح للعقل.

 

وتُعرف المرونة النفسية بأنها "قدرة الفرد على التكيف الناجح والتعافي من الصدمات، الأزمات، أو الضغوطات الحياتية الشديدة، والعودة إلى حالة التوازن النفسي مجددًا بعد مواجهة ظروف صعبة، مثل المشاكل العائلية، الأزمات المالية، أو المشاكل الصحية، وهي لا تعني أن الشخص لا يشعر بالألم أو الحزن؛ بل تعني قدرته على مواصلة الحياة والنمو رغم وجود هذا الألم".

 

ولكن ما هي عناصر المرونة النفسية؟

 

أخي الكريم، تفكيك مفهوم المرونة، ومحاولة فهم مكوناتها وعناصرها الأساسية، خطوة مهمة في طريقة اكتساب تلك المهارة، وتحويلها إلى سجية أو صفة للإنسان يمارسها بلا أي جهد أو تكلف، ويمكن تحديد بعض عناصرها على النحو التالي:

 

* تقبل الواقع دون إنكار أو تجاهل: لا يمكن للإنسان أن يتكيف أو يتعافى من الصدمات والضغوطات دون تقبل الواقع كما هو، والتقبل لا يعني الاستسلام؛ بل يعني رؤية الأمور بوضوح ودون تزييف كخطوة أولى للتعامل معها، فإنكار الواقع يستهلك طاقة الإنسان لإخفاء شيء شديد الظهور، أو البكاء على حدث انتهى ولا يمكن العودة للزمن لتصحيح الخطأ أو تعديل النتائج... ولذلك كان عطاء الرؤية الإسلامية عميقًا في هذه النقطة، فكان الإيمان بالقدر خيره وشره خطوة كبيرة لتحقيق هذا التقبل، كذلك الابتعاد عن التمنيات التي لا تفيد، فكلمة "لـو" ليس لها مكان؛ لأنها تفتح المجال لاستنزاف الطاقة الإنسانية.

 

* إعادة التأطير المعرفي: أو إعادة النظر للموضوع من زاوية أخرى، وهذا التأطير أو البحث عن منظور مغاير للرؤية هو أسلوب نفسي يهدف إلى تغيير طريقة تفسير الفرد ونظرته للأفكار أو المواقف التي يمر بها، دون تغيير الحدث نفسه، مما يغير رد فعله العاطفي والسلوكي تجاهه، وهذا ليس تفاؤلاً كاذبًا، أو تعمية للذات من خلال الكذب عليها، ولكن النظر لبعض المحن وكأنها نعمة تستوجب الشكر، ويمكن مراجعة قصة سيدنا موسى عليه السلام في سورة الكهف مع العبد الصالح.

 

* صناعة المعنى: وجود معنى يعضد المرونة النفسية، فإذا كان التقبل يمحنك أرضية صلبة تقف عليها، فإن صناعة المعنى تخلق لك مسارًا تسير فيه، وهذا المسار قد يمنح روحك أن تنتقل من خانة "الضحية" المستسلمة المنهارة، إلى خانة "الفاعلية والإيجابية"؛ فالمعنى يصقل الذات بالحكمة، والحكمة هي رؤية كُلية للوجود، لا تقف عند الحدث أو الإخفاق، ولكن ترى الأزمة أو التحدي في إطار شامل وهو ما يخفف من التأثيرات السلبية والاستسلامية.

 

موضوعات ذات صلة:

ما المقصود بغياب المعنى وتأثيره على الإنسان؟

كيف تؤثر المبالغة في التكيف على عقولنا؟

العقل الأداتي كيف غيّب المعنى الوجودي؟

كيف تؤثر رغبات التملك على عقل الإنسان وسلوكه؟

التعليقات

الرابط المختصر :