كيف تتجاوز المجتمعات روح الهزيمة؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. مصطفى عاشور
  • القسم : قضايا إنسانية
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 12
  • رقم الاستشارة : 6089
10/10/2026

في تاريخنا بعض الهزائم الساحقة لكن أيضا فيها انتصارات، وتكمن روعة الانتصارات أنها كانت خلفها أفكار كبرى..  فكيف يمكن للمجتمع أن يتجاوز روح الهزيمة؟

الإجابة 10/10/2026

أخي الكريم، الهويات القوية، والشعوب والأمم ذات التاريخ العريق والقديم إذا تعرضت لهزيمة قاسية، فإن مرارتها تكون شديدة القسوة عليها، مرارة تمتد إلى كثير من جوانب حياتها فتظهر ملامحها في الأدب والفن والأمثال الشعبية والحياة الاجتماعية، ولعل السبب في ذلك أنها ترى الهزيمة كتهديد وجودي للذات الحاضرة والمتخيلة والماضي بكافة أمجاده.

 

الهزيمة درس قاس

 

المجتمعات القوية تتعامل مع الهزيمة كأزمة قاسية، وليس نهاية للتاريخ؛ لذا ترفض الولع الأعمى بتقليد المنتصر أو الانصياع لدعايته لتقبل الهزيمة، ولكنها قد تستعير منهجيته في الانتصار وتحصيل القوة للتغلب عليه.

 

ينطلق المؤرخ الألماني "فولفغانغ شيفلبوش" في كتابه "ثقافة الهزيمة: في الصدمة الوطنية والحداد والتعافي" من أطروحة مغايرة للمقولة الشائعة "التاريخ يكتبه المنتصرون"، ليؤكد أن المهزومين غالبًا ما يكونون أكثر ابتكارًا وتجديدًا على الصعيد الفكري والثقافي؛ لأن المنتصر يميل إلى الرضا الذاتي وتكرار صيغه القديمة، في حين يضطر المهزوم إلى إعادة فحص هويته وتوليد أساطير ونماذج جديدة للتكيف والنهوض، وقال إن الأمم المهزومة تمر برحلة سيكولوجية جماعية متشابهة جدًّا، تتلخص في المراحل والتكتيكات التالية:

 

* الصدمة والإنكار وبناء "أساطير التبرير": فعند وقوع الهزيمة، يعجز المجتمع عن استيعاب الواقع، فيلجأ فورًا إلى صناعة أساطير تحميه من الشعور بالعار وتنقله من خانة "الفشل العسكري" إلى خانة "الضحية المغدورة" من أبرزها "أسطورة الطعنة من الظهر".

 

* التفوق الأخلاقي والروحي: لتعويض الانكسار المادي والعسكري، تميل الشعوب المهزومة إلى ادعاء التفوق الروحي والأخلاقي على المنتصر، ويتم تصوير المنتصر بأنه "آلة صماء" فاقدة للقيم، انتصرت فقط بفعل التكنولوجيا أو الكثرة العددية الغاشمة، وليس بفعل الشجاعة أو النبل.

 

* تقليد المنتصر ومحاكاته لضمان الانتقام: في مرحلة لاحقة من التعافي، يبدأ المهزوم بوعي أو بدون وعي في تقليد أسباب قوة المنتصر لكيلا يُهزم مجددًا.

 

كيف نُولد من رحم الانكسار؟

 

أخي الكريم، إن سؤال تجاوز الهزيمة هو السؤال الأهم للأمم والشعوب القوية، التي لا تنظر للهزيمة كنوع من القدر الأبدي المفروض عليها، ولكن تبحث عن إجابة في عالم الأفكار ثم في الواقع لتفكيك الهزيمة وتجاوزها؛ لأن الأمم لا تنهزم فقط في الميدان العسكري والسياسي، ولكن تنهزم كذلك في العقول وعالم الأفكار، ومن سبل تجاوز الهزيمة:

 

* الفهم والتفكيك: الخطوة الأولى لتجاوز أي هزيمة بعد مرحلة الصمود، هي السعي الدؤوب لتفكيك الهزيمة وأسباب وقوعها ومسؤولية الذات عنها، فهذه الخطوة الضرورية تحطم عقدة النقص التي قد تعتري الذات فتصيبها بالتضاؤل أمام الخصم، فالتفكيك يحول الهزيمة في العقل إلى أسباب وعوامل وليس نتائج قدرية محتومة، وبالتالي إذا تعافت الأمة والمجتمع من مسببات الهزيمة فإن النصر يكون قريبًا.

 

هذا التفكيك لأسباب الهزيمة ذو أهمية قصوى؛ لأنه يحمل الذات مسؤولية النهوض، ويقنعها أن في مكنتها ذلك، ويخلصها من عقلية الاستسهال والاستسلام، ويقنعها أن الخطوات القوية الثابتة الواعية قادرة على إنجاز الغايات الكبرى.

 

* التخلص من عقلية الضحية: التخلص من ذهان الضحية، يحول صدمة الهزيمة إلى أداة للتحليل الواعي لاكتشاف أسبابها؛ لأن عقلية الضحية تعمق روح الاستسلام والانهزامية، والتخلص منها يخلق الذات الفاعلة، وهو ما يعني نقل مركز التحكم من الخارج القاسي إلى الداخل الواعي والذات الفاعلة، وهذا يحول الهزيمة من قدر تاريخي إلى حدث عابر يمكن التغلب عليه، وهذه المسالة ناقشها القرآن الكريم في سورة "الروم" في الآية (3) في قوله تعالى {وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ}، حيث استطاعت الروم أن تنتصر على الفرس في بضع سنين بعد هزيمتها الساحقة قبل ذلك، وهنا نلاحظ أن الآية تحمل إيقاعًا صوتيًّا ومقابلة بلاغية رائعة؛ حيث تحولت الكلمة من دلالة الانكسار والهزيمة في الأولى، إلى دلالة القوة والانتصار في الثانية.

 

* بث روح الأمل وسردياته: استدعاء كل ما يبث الأمل في تجاوز الهزيمة وتحقيق الانتصار يحفظ للذات تماسكها وعدم انهيارها، بشرط أن يتلازم ذلك مع العمل الدؤوب والواعي واتخاذ خطوات حقيقية على طريق الاستعداد لتحقيق النصر؛ فسرديات الأمل تعيد تأطير المعاناة وتحولها إلى درس قاس يمكن الاستفادة منه، وكما تقول الحكمة "الضربة التي لا تقصم ظهرك تقويه"، كما أن تلك السرديات تقوي روح الصبر، وتصنع هوية وحلم مشترك للمجتمع، يقول المناضل "نيلسون مانديلا": "المرء لا يُهزم إلا عندما يستسلم، الأمل هو السلاح الأقوى لتغيير العالم".

 

موضوعات ذات صلة:

كيف ننتصر على ثقافة الهزيمة؟

كيف تؤبد الأوهام عجز الشعوب؟

هل الجدال مؤشر على الهزيمة والضعف؟

هل يساهم الإعلام في نشر السطحية والضحالة الفكرية؟

التعليقات

الرابط المختصر :