كيف تربي الأم بناتها على «تعظيم شعائر الله» دون صدام؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. فتحي عبد الستار
  • القسم : المراهقون
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 12
  • رقم الاستشارة : 4891
27/05/2026

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا أم لعدد من البنات المراهقات، وأشعر هذه الأيام بحزن شديد وحيرة في طريقة التعامل معهن.

نحن في أيام عظّـمها الله، ونتحدث دائمًا في البيت عن فضل عشر ذي الحجة وحرمة هذه المواسم المباركة، لكنني أجد من بناتي نوعًا من اللامبالاة وكأنها أيام عادية تمامًا. فهنّ يجتمعن مع صديقاتهن، ويقضين أوقاتًا طويلة في الضحك والرقص على الموسيقى ومتابعة المقاطع، وعندما أحاول تذكيرهن بفضل هذه الأيام أو أهمية اغتنامها، أشعر أن كلامي لا يصل إليهن، بل أحيانًا يعتبرنني معقدة أو مبالغة.

أصبحت أخاف عليهن من الاعتياد على الغفلة، وفي الوقت نفسه أخشى أن تؤدي شدتي أو كثرة انتقادي إلى نفورهن أكثر من الدين والالتزام. كيف أتعامل مع بناتي في هذه المرحلة الحساسة؟ وكيف أزرع في قلوبهن تعظيم شعائر الله ومحبة الطاعة دون صدام دائم أو أسلوب ينفّرهن؟

جزاكم الله خيرًا.

الإجابة 27/05/2026

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، ومرحبًا بك أختي الفاضلة، وأشكرك على بنا وتواصلك معنا، كما أحيي فيك حرصك على دين بناتك، وخوفك من غفلتهن، واستشعارك للأمانة التي حمَّلك الله إياها في تربيتهن ورعايتهن وتوجيههن.

 

أسأل الله في هذه الأيام المباركة أن يربط على قلبك، وأن يقر عينك بصلاح بناتك وهدايتهن، وأن يجعلهن من عابدات الله القانتات، وأن يرزقك الحكمة والصبر واللين في توجيههن، ويجمع شمل أسرتك على طاعته ورضاه، وبعد...

 

طبيعة المرحلة وتحديات العصر

 

أختي الكريمة، إن ما تمرين به اليوم مع بناتك المراهقات هو تحدٍّ تمر به معظم الأُسر في زمننا هذا، وتتضاعف صعوبته مع الفضاء المفتوح والهواتف الذكية التي تجعل كل أسباب الغفلة معروضة بأساليب جذابة ومبهرة؛ خصوصًا للمراهقين والمراهقات.

 

إن المراهقة هي مرحلة التحول من الطفولة التابعة إلى الاستقلالية وبناء الهوية، وفيها يميل الأبناء (والبنات) غريزيًّا إلى التمرد غير المقصود لمجرد إثبات الذات، ويكون تأثير الأقران والصديقات أقوى بكثير من تأثير كلام الوالدين المباشر.

 

لذا، لا تفسري لامبالاة بناتك على أنها كرهٌ للدين، أو عنادٌ لك شخصيًّا؛ بل هي في الغالب فجوة في الفهم، وعدم نضج في تقدير حقائق الأمور، مع رغبة عارمة في الاستمتاع والبهجة تناسب أعمارهن. والتعامل مع هذه المرحلة يحتاج إلى الانتقال من مربع الأم الوصية الآمرة، إلى مربع الصديقة والمستشارة الحكيمة.

 

لماذا يرى الشباب مواسم الطاعات أيامًا عادية؟

 

إن السبب في ذلك يكمن في أن التربية الدينية أحيانًا تُختزل في أذهانهم في صورة أوامر ونواهٍ، بينما هم يبحثون في هذا العمر عن الحيوية والمرح. عندما يجدون الفجوة كبيرة بين عالمهم المليء بالضحك واللهو، وبين عالم العبادة الذي نصوره لهم أحيانًا بالخوف والترهيب، فإنهم يهربون إلى عالمهم الخاص ويعتبرون النصيحة تعقيدًا ومبالغة.

 

وليتنا ندرس السيرة النبوية جيدًا لنتعلم منها كيف كان النبي –ﷺ يراعي طبيعة الشباب، وخصوصًا النساء، وحبهن للمرح والترويح عن النفس؛ إذ تقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: «واللَّهِ لقد رَأيتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَقومُ على بابِ حُجرَتي، والحَبَشةُ يَلعَبونَ بحِرابِهم في مَسجِدِ رَسولِ اللهِ ﷺ يَستُرُني برِدائِه، لكَي أنظُرَ إلى لَعِبِهم، ثُمَّ يَقومُ مِن أجلي، حتَّى أكونَ أنا التي أنصَرِفُ، فاقدُروا قَدرَ الجاريةِ الحَديثةِ السِّنِّ، حَريصةً على اللَّهوِ» [رواه مسلم].

 

تأملي يا أختي قولها: «فَاقْدُرُوا قَدْرَ الجَارِيَةِ الحَدِيثَةِ السِّنِّ»، أي: تفهَّموا طبيعة الصغار وحبهم للهو والترويح، ولا تطالبوا المراهق والمراهقة بعقل وقلب الشيخ الكبير والمرأة الناضجة.

 

كيف نزرع تعظيم شعائر الله دون صدام؟

 

علاج اللامبالاة لدى بناتك –أختي الفاضلة- لن يكون بكثرة الملامة والتوبيخ؛ بل يكون بتغيير المدخل إلى قلوبهن. وفي هذا الصدد أنصحك بالتالي:

 

1- الخطاب العاطفي بدلًا من الوعظ الجاف:

 

بدلًا من قولك: «هذه أيام مباركة ومن يعصِ الله فيها يرتكب ذنبًا عظيمًا»، حوِّلي الخطاب إلى العاطفة والجمال والمحبة. حدثيهن عن كرم الله، وكيف أن الله يحبنا لدرجة أنه جعل لنا مواسم يضاعف فيها الحسنات، ليغفر لنا ويدخلنا الجنة. قال الله تعالى: ﴿ذَٰلِك وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: 32]. والتعظيم يبدأ من محبة المُعَظَّم، سبحانه وتعالى.

 

2- العبادة الجماعية الخفيفة

 

لا تطالبيهن بجداول عبادة مرهقة (كقيام الليل طويلًا، وقراءة عدة أجزاء من القرآن في اليوم) فيصطدمن بالعجز وينفرن؛ بل تدرجي معهن.

 

اجتمعي بهن دقائق معدودة، وقولي لهن: «ما رأيكن أن نجلس خمس دقائق فقط بعد صلاة المغرب نذكر الله فيها معًا؟». وذكِّريهن بحديث النبي ﷺ: «مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ» يعني أيام العشر. قالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: «ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء» [رواه البخاري]. وبيِّني لهن أن التسبيحة الواحدة في هذه الأيام عند الله أثمن من أي وقت آخر، وأن حتى الكلمة الطيبة ومجرد التبسم في وجوه الناس عمل صالح محبوب.

 

3- بناء البديل الجاذب

 

لقد رأيتهن يجتمعن، ويضحكن، ويرقصن؟ هذا واقعهن الآن، والشدَّة في الإنكار ستجعلهن يفعلن ذلك في الخفاء. فاستثمري اجتماعهن وطاقتهن واطلبي منهن –مثلًا- أن يضعن برنامجًا مشتركًا لعشر ذي الحجة، ولغيرها من المواسم الفاضلة، يحددن فقراته بأنفسهن، ثم شاركيهن في تنفيذه، وبذلك تحولين طاقة اللهو والرقص إلى عمل إيجابي يحبه الله، وتكونين قد أشعرتِهن بالمسؤولية وعلمتِهن الإيجابية ومحاسبة النفس.

 

الموازنة بين الحزم واللين

 

مخاوفك في محلها تمامًا؛ فالشدة الزائدة تُورث العناد والنفور، واللين الزائد يُورث الميوعة والغفلة. والحل هو «الحزم الرحيم». يقول الله -عز وجل- لرسوله ﷺ: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِك ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: 159]. فإذا كان الرسول ﷺ وهو المؤيد بالوحي يُقال له ذلك، فكيف بنا مع بناتنا في هذا الزمان؟

 

ولتحقيق هذا التوازن عمليًّا، أنصحك بما يلي:

 

1- تجنبي التفتيش والنقد الدائم: إذا رأيتهن يضحكن أو يسمعن شيئًا، فلا تدخلي عليهن بوجه عبوس وعاصفة من الانتقاد؛ لأن هذا يغلق آذانهن عن سماعك لاحقًا. بل توددي إليهن، واجلسي معهن قليلًا، شاركيهن ضحكاتهن في المباح، ثم انسحبي بهدوء وقار. هذا يجعلك قريبة من عالمهن، وحين تنصحين بعد ذلك، فستكون للنصيحة قيمة.

 

2- الرفق والهدوء: تذكَّري دائمًا قول النبي ﷺ: «إنَّ الرِّفْقَ لا يَكونُ في شَيءٍ إلَّا زانَهُ، ولا يُنْزَعُ مِن شَيءٍ إلَّا شانَهُ» [رواه مسلم]. فعندما تتحدثين عن فضل العشر وغيرها من الأيام الفاضلة، تحدثي بهدوء وبصوت حانٍ، وليس بصوت حاد يخرج في صورة اتهام لهن بالتقصير.

 

3- الاتفاق المسبق: بدلًا من الصدام اليومي، اعقدي معهن اتفاقًا. قولي لهن مثلًا: «يا بناتي الغاليات، أنتن حبيباتي، وأنا أفرح لفرحكن ولعبكن، لكن لله حقًّا علينا، وهذه أيام عظيمة ينبغي استثمارها. فما رأيكن أن نتفق على ألا نضيع الصلوات المكتوبة في وقتها، وأن نحدد نصف ساعة فقط في اليوم نقرأ فيها القرآن أو نذكر الله، وباقي اليوم لكُنَّ الحرية في الترويح المباح؟».

 

أفكار عملية لاغتنام المواسم المباركة

 

1- توفير أجواء العبادة في المنزل: اجعلي للبيت سمتًا مميزًا في هذه الأيام. شغِّلي تكبيرات العيد في أرجاء البيت بصوت عذب وجميل دون صراخ، وشجعيهن على الترديد معها، فالتكبيرات الجماعية تلامس الفطرة وتزرع هيبة الأيام في القلوب لا شعوريًّا.

 

2- استثمار الوسائل التكنولوجية: بدلًا من منعهن من المقاطع، اطلبي منهن بذكاء: «أريد منكن أن تبحثن لي في (تيك توك) عن مقطع قصير ومبدع يتحدث عن فضل يوم عرفة، لننشره في جروب العائلة». وبذلك تجعلين وسائل التواصل المفتونات بها موجهة لتربيتهن وتعليمهن.

 

3- الدعاء لهن: لا تستهيني بالدعاء لهن، أمامهن وبظهر الغيب. دعي بناتك يسمعنك وأنت تدعين: «اللهم حبِّب إلى بناتي الإيمان وزيِّنه في قلوبهن، وكرِّه إليهن الكفر والفسوق والعصيان». ولهذا فائدتان عظيمتان، أولاهما نوال عون الله وهدايته لهن، فهو سبحانه مجيب الدعوات، وثانيتهما أن سماعهن لدعائك يفعل أثره فيهن، ويليِّن قلوبهن.

 

وختامًا أختي الفاضلة، إن التربية جهاد شديد؛ خصوصًا في هذا العصر المليء بالفتن والمغريات؛ لكن اعلمي أن أجرك عليها سيكون على قدر المشقة. فلا تيأسي ولا تبتئسي، فالبذور التي تزرعينها اليوم في قلوبهن من تذكير، وقيم، ومحبة لله، قد تتوارى فترة تحت تراب المراهقة والغفلة؛ لكنها حتمًا ستُنبت وتزهر يومًا ما، عندما ينضجن وتصقلهن الحياة، وسيتذكرن كلماتك وحنانك وحرصك.

 

واصلي السير بالحب، واللين، والدعاء، والحزم الحاني، وأبشري بخير.

 

أسأل الله جل وعلا، بأسمائه الحُسنى وصفاته العُلا، أن يبارك لك في بناتك، وأن يملأ قلوبهن بتعظيم شعائره ومحبته ومحبة رسوله. اللهم خذ بنواصيهن إلى البر والتقوى. اللهم جنبهن الفتن ما ظهر منها وما بطن، واجعل بيت أختنا منارةً للطاعة والرحمة والسكينة. اللهم واجعل تعبها معهن في ميزان حسناتها، واجمعها بهن في فردوسك الأعلى مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسُن أولئك رفيقًا.

 

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

روابط ذات صلة:

المنهجية الوسطية في تربية البنات

كيف أحمي مراهقاتي اليتيمات من البريق الزائف للسوشيال ميديا؟!

التربية الحديثة تخالف الواقع التربوي.. كيف نربي؟!!

الرابط المختصر :
hacklink satın al betpas holiganbet casibom jojobet bahiscasino imajbet imajbet imajbet casibom casibom giriş