الإستشارة - المستشار : أ. فتحي عبد الستار
- القسم : الابتلاءات والمصائب
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
20 - رقم الاستشارة : 6267
03/11/2026
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا فتاة أعاني منذ فترة من أحلام مزعجة ومرعبة، أرى في الحلم أن هناك من يؤذيني وأحاول أن أقرأ القرآن بصعوبة وأستيقظ وأنا خائفة جدًا وأحيانا أشعر بألم في يدي.
أصبحت قلقة جدًا وأسمع من حولي كلامًا عن الحسد والجن والعمل.
أريد من فضيلتكم أن تنصحوني ماذا أفعل من السنة والأذكار قبل النوم لكي أنام مطمئنة.
وهل هذه الأحلام لها علاقة بالجن؟
وهل أحتاج أن أذهب لشيخ يرقيني أم تكفي رقية نفسي بنفسي؟
جزاكم الله عني خيرًا.
وعليكم
السلام ورحمة الله وبركاته، ومرحبًا بك يا ابنتي، وأشكرك على ثقتك بنا وتواصلك
معنا، وأسأل الله أن يشرح صدرك، وأن يذهب عنك الخوف والقلق، وأن يجعل نومك سكنًا
وطمأنينة، وأن يحفظك بما يحفظ به عباده الصالحين، وبعد...
فالخوف
بعد حلم مفزع شعور إنساني لا يلام عليه أحد، والأصعب منه أن تسمعي من حولك كلامًا
عن الحسد والجن والسحر، فيكبر القلق في داخلك أكثر مما تكبر المشكلة نفسها.
وأول
ما أريد أن أطمئنك به، أن حفظ الله لعبده المؤمن أقوى من كل ما يُخيفه. قال تعالى:
﴿إِنَّ كيْدَ الشَّيْطَانِ كانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء: 76]، وقال: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ
لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكلُونَ﴾ [النحل:
99]. وأنت -بحمد الله- تحاولين قراءة القرآن حتى داخل الحلم، وهذا يدل على أن قلبك
متعلق بربه، فاثبتي.
هل
لهذه الأحلام علاقة بالجن؟
نعم،
قد يكون الأمر كذلك؛ لكنه ليس مؤكدًا، فهناك ثلاثة أمور يحب أن تضعيها في اعتبارك:
أولًا:
ما قرره النبي ﷺ عن الأحلام: قال ﷺ: «الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ مِنَ
اللَّهِ، وَالحُلْمُ مِنَ الشَّيْطَانِ» [متفق عليه]. فالأحلام المفزعة من تخويف
الشيطان وتحزينه للمؤمن، وقد قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَىٰ مِنَ الشَّيْطَانِ
لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ
اللَّهِ﴾ [المجادلة: 10]. فمقصود الشيطان أن تحزني وتخافي، وليس أن يضرك حقيقة.
وقد علمنا النبي ﷺ علاجًا عمليًّا لهذا النوع من الأحلام، سأذكره لك بعد قليل.
ثانيًا:
الأسباب النفسية والجسدية: كثير من الأحلام المخيفة يرتبط بالتوتر
والقلق، وقلة النوم، والتفكير الطويل قبل النوم، ومشاهدة ما يرعب أو يقلق، وسماع
الحكايات المخيفة. ومن الأحلام المزعجة ما يرتبط بما يسمى «شلل النوم»، وفيه يشعر
الإنسان عند الاستيقاظ أو قبل النوم بثقل وعجز عن الحركة وخوف شديد. وهذا أمر طبي
معروف لا يعني بالضرورة شيئًا غيبيًّا. فإن زاد القلق عندك بسبب كلام الناس عن
العين والسحر فقد يصير هو نفسه سببًا في تكرار الكوابيس، فيدور الأمر في حلقة:
خوف، ثم حلم مزعج، ثم خوف أكبر.
ثالثًا:
ألم اليد: قد يكون له تفسير جسدي بسيط، كالنوم على اليد أو في وضعية تضغط العصب أو تعطل
الدورة الدموية، وقد يكون من أثر التوتر وشد العضلات. فإن تكرر الألم فمن الأخذ
بالأسباب المشروعة أن تعرضي نفسك على طبيبة لتطمئني أن الأمر ليس عضويًّا.
والاستشفاء بالقرآن والاستشفاء بالطب لا يتعارضان، فقد قال ﷺ: «تَدَاوَوْا عِبَادَ
اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّا وَضَعَ لَهُ دَوَاءً» [رواه
أبو داود].
والخلاصة
أن هذه الأحلام قد تكون وسوسة من الشيطان، وقد تكون ضغطًا نفسيًّا، وقد تكون تعبًا
جسديًّا، وقد تجتمع الأسباب. ولا يلزمك أن تحسمي أيها هو؛ لأن العلاج في الحالات
كلها يبدأ بالخطوات نفسها: التحصين بالأذكار، والتوكل على الله، والأخذ بالأسباب.
ماذا
عن الحسد والسحر؟
العين
حق كما قال ﷺ، والسحر ثابت في القرآن، وقد أُصيب به النبي ﷺ؛ لكن انظري إلى ما
فعله: لم يستسلم للخوف، فأنزل الله عليه المعوذتين، وكان ﷺ يتحصن بما أنزل الله
ويتوكل عليه. وفي هذا تعليم لنا أن علاج هذه الأمور هو القرآن والذكر والتوكل، لا
الاستسلام للظنون. وقد قال تعالى عن السحر: ﴿وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ
أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 102]، فلا ضرر إلا بإذن الله وقدره.
ونصيحتي
لك ألّا تتهمي أحدًا بالحسد ولا تفتشي في وجوه من حولك، فسوء الظن يفسد القلب
ويشغله، وقد لا يكون الأمر كما ظننت. وافعلي كما علمنا القرآن: ﴿قُل لَّن
يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ [التوبة: 51].
ماذا
تفعلين إن رأيت حلمًا مفزعًا؟
علمنا
النبي ﷺ ما نفعله عند هذا النوع من الأحلام، وخلاصته مما ثبت في الصحيحين وغيرهما:
1-
الاستعاذة بالله من شر الحلم ومن شر الشيطان.
2-
النفث عن اليسار ثلاثًا، وهو نفخ خفيف مع شيء يسير من الريق، دون بصق مؤذٍ، وهو
إظهار لاحتقار الشيطان وكيده.
3-
التحول عن الجنب الذي كنت نائمة عليه إلى الجنب الآخر.
4-
عدم إخبار أحد بالحلم السيئ، فقد بيَّن النبي ﷺ أنه لا يضر صاحبه إذا فعل ذلك. وقد
جاء في الحديث أن من رأى ما يكره: «فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّهَا،
وَلَا يُحَدِّثْ بِهَا أَحَدًا، فَإِنَّهَا لَنْ تَضُرَّهُ» [متفق عليه]. فلا تحكي
حلمك لكل من حولك، فهذا يزيد وساوسك ويفتح أبواب التأويل والظنون.
5-
القيام للصلاة إن تيسر، كما جاء في رواية عند مسلم: «فليقم فليصل». وعلمنا ﷺ دعاءً
خاصًا لمن يفزع في نومه، فقال: «إِذَا فَزِعَ أَحَدُكمْ فِي النَّوْمِ فَلْيَقُلْ:
أَعُوذُ بِكلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ غَضَبِهِ وَعِقَابِهِ، وَشَرِّ
عِبَادِهِ، وَمِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأَنْ يَحْضُرُونِ، فَإِنَّهَا لَنْ
تَضُرَّهُ» [رواه أبو داود]. احفظيه وردديه إذا استيقظتِ خائفة.
سنن
وأذكار النوم
هذه
السنن والأذكار هي حصنك، فلا تهمليها، واقرئيها بحضور قلب وثقة بوعد الله:
1-
الوضوء والنوم على الشق الأيمن: قال ﷺ: «إِذَا أَتَيْتَ مَضْجَعَك
فَتَوَضَّأْ وُضُوءَك لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّك الأَيْمَنِ»
[متفق عليه]. وفي الحديث نفسه دعاء: «اللهُمَّ أسلَمتُ وجهي إليكَ، وفَوَّضتُ أمري
إليكَ، وألجَأتُ ظَهري إليكَ، رَغبةً ورَهبةً إليكَ، لا مَلجَأَ ولا مَنجا مِنكَ
إلَّا إليكَ، اللهُمَّ آمَنتُ بكِتابِكَ الذي أنزَلتَ، وبِنَبيِّكَ الذي أرسَلتَ»،
وبشرى أن من مات تلك الليلة مات على الفطرة.
2-
آية الكرسي: ففي الحديث: «إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِك
فَاقْرَأْ آيَةَ الكرْسِيِّ، فَإِنَّهُ لَنْ يَزَالَ عَلَيْك مِنَ اللَّهِ
حَافِظٌ، وَلَا يَقْرَبَنَّك شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ» [رواه البخاري].
3-
خواتيم سورة البقرة: قال ﷺ: «مَنْ قَرَأَ بِالآيَتَيْنِ مِنْ
آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ فِي لَيْلَةٍ كفَتَاهُ» [متفق عليه].
4-
سور الإخلاص والفلق والناس: ذكرت أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها-
أن النبي ﷺ كان إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه، ثم نفث فيهما، وقرأ فيهما هذه
السور الثلاث، ثم مسح بهما ما استطاع من جسده، يبدأ برأسه ووجهه وما أقبل من جسده،
ويفعل ذلك ثلاث مرات [رواه البخاري].
5-
التسبيح والتحميد والتكبير: علَّم النبي ﷺ فاطمة وعليًّا -رضي الله
عنهما- أن يسبحا ثلاثًا وثلاثين، ويحمدا ثلاثًا وثلاثين، ويكبرا أربعًا وثلاثين
عند النوم [متفق عليه].
6-
دعاء النوم المختصر: كان ﷺ يقول إذا أخذ مضجعه: «بِاسْمِك
اللَّهُمَّ أَمُوتُ وَأَحْيَا». وإذا استيقظ قال: «الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي
أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا وَإِلَيْهِ النُّشُورُ» [رواهما البخاري].
7-
سورتا السجدة والملك: كان النبي ﷺ لا ينام حتى يقرأ ﴿الم
تَنزِيلُ﴾ (السجدة) و﴿تَبَارَك الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْك﴾ (الملك) [رواه
الترمذي]، فاجعليهما من وردك قبل النوم إن تيسر.
ومما
يُحفَظ به المسلم في نهاره وليله أذكار الصباح والمساء، ومنها: «بِسْمِ اللَّهِ
الَّذِي لَا يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ
وَهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ» ثلاث مرات، وقد جاء في فضلها أنه: «لَمْ يَضُرَّهُ
شَيْءٌ» [رواه أبو داود].
هل
تحتاجين إلى شيخ يرقيك؟
الأصل
أن ترقي نفسك، فالرقية الشرعية دعاء وقرآن، وكل مسلم يستطيع أن يرقي نفسه دون
وسيط. وهذا هدي النبي ﷺ، فقد كان إذا اشتكى قرأ على نفسه بالمعوذات ونفث [رواه
البخاري]. وقال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ
لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: 82]. وأنتِ حين تدعين الله بنفسك بقلب خاشع يكون
الدعاء أقرب إليه -تعالى- وأصدق توكلًا.
وللألم
في الجسد سنة خاصة، فقد علم النبي ﷺ من يشكو ألمًا في جسده أن يضع يده على موضع
الألم ويقول: «بسم الله» ثلاثًا، ثم يقول سبع مرات: «أَعُوذُ بِاللَّهِ
وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ وَأُحَاذِرُ» [رواه مسلم]. فافعليها عند شعورك
بالألم، واقرئي معها ما شئت من القرآن والذكر والدعاء.
أما
طلب الرقية من الغير فهو جائز إن احتجتِ إليه، فقد قال ﷺ: «لَا بَأْسَ بِالرُّقَى
مَا لَمْ تَكنْ شِرْكًا» [رواه مسلم]، ويدل على جوازها قصة الصحابي الذي رقى سيد
القوم الملدوغ بالفاتحة فشُفي، لكن ذلك لا يكون ذلك إلا بضوابط:
-
أن تختاري الراقي العالم التقي الورع، واحذري من الدجالين والمشعوذين والفساق
والسحرة الذين يدَّعون معرفة الغيب، فقد قال ﷺ: «مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ
عَنْ شَيْءٍ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً» [رواه مسلم].
-
أن تكون الرقية بالقرآن وبالأدعية الثابتة المأثورة، دون طلاسم ولا كلام غير
مفهوم.
-
ألا يسألك الراقي عن اسم أمك، أو أي معلومات عنك، ولا يطلب شيئًا من أثرك أو
ثيابك، فهذه علامات الدجل والشعوذة. وألا يغالي في طلب المال.
-
ألا يخلو بك أثناء الرقية، فقد قال ﷺ: «لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا
وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ» [متفق عليه]. فإن احتجت إلى راقٍ فليكن بحضور محرم لك، أو
اختاري امرأة صالحة عندها علم، أو اكتفي بمتابعة رقية مسجلة بصوت قارئ موثوق.
وإليك
هذه الاقتراحات العملية التي تستطيعين البدء بها اليوم:
1-
اجعلي لنفسك وِردًا ثابتًا قبل النوم: من الأذكار
أعلاه، وابدئي بالوضوء، ثم آية الكرسي، ثم المعوذات مع النفث والمسح، ثم الآيتين
من آخر البقرة، ثم التسبيح. وهذا لا يحتاج إلى أكثر من عشر دقائق.
2-
حافظي على أذكار الصباح والمساء: وأذكار الأحوال وعلى الصلوات في
أوقاتها، وخصوصًا الفجر، فهي أعظم حصن.
3-
قلِّلي مما يغذي الخوف قبل النوم: أخبار الحروب والحوادث، والأفلام
المخيفة، وقصص الجن والسحر، ومحادثات القلق. وأطفئي الشاشة قبل النوم بنصف ساعة
على الأقل.
4-
رتبي نومك: حددي وقتًا ثابتًا للنوم والاستيقاظ، وغرفة هادئة، وتجنبي شرب المنبهات في آخر
النهار.
5-
اتبعي هدي النبي ﷺ: فإذا رأيت كابوسًا مزعجًا فاستعيذي،
وانفثي عن يسارك ثلاثًا، وتحولي عن جنبك، وقولي دعاء الفزع، ولا تحدثي به أحدًا.
6-
اعرضي ألم يدك على طبيبة: إن تكرر أو زاد الألم، فقد يكون له سبب
بسيط يزول بالعلاج إن شاء الله.
7-
أكثري من الدعاء: وتحري أوقات الإجابة، في الثلث الأخير من الليل،
وبين الأذان والإقامة، وفي السجود، وقولي كما كان يقول النبي ﷺ: «اللهم احفظني من
بين يدي ومن خلفي، وعن يميني وعن شمالي، ومن فوقي، وأعوذ بعظمتك أن أُغتال من
تحتي».
وختامًا
يا ابنتي، ما تمرين به ليس دليلًا على غضب الله عليك، ولا على خلل في إيمانك، وقد
يكون من تخويف الشيطان، أو من الضغط النفسي، أو من التعب الجسدي، أو منها جميعًا.
وفي كل الحالات الطريق واحد: ذكر الله، والتوكل عليه، والأخذ بالأسباب، والهدوء في
التعامل دون هلع ولا تهويل.
اللهم
يا حفيظ يا رحمن، احفظ ابنتنا هذه بحفظك الذي لا يُرام، ويسِّر لها نومها، وأذهب
عنها الخوف والفزع، وأبدل خوفها أمنًا وقلقها سكينة، واجعل أحلامها رؤى صالحة
تسرُّها. اللهم اشفِ يدها وجسدها وقلبها، فأنت الشافي لا شافي إلا أنت، شفاءً لا
يغادر سقمًا. اللهم اكفها شر الشيطان وهمزاته، وشر كل ذي شر، واجعل القرآن ربيع
قلبها ونور صدرها وجلاء حزنها وذهاب همها. وصلِّ اللهم وسلِّم وبارك على نبينا
محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
روابط
ذات صلة:
كيف نتعامل مع الأحلام السيئة والمخيفة؟