الإستشارة - المستشار : أ. فتحي عبد الستار
- القسم : الابتلاءات والمصائب
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
24 - رقم الاستشارة : 4424
25/03/2026
منذ سنوات قليلة بدأت حالة نفسية تهاجمني بين الفينة والأخرى وأحاول مواجهتها أو التأقلم معها حسب الوضع.
اليوم أنا متابع مع طبيب نفسي وملتزم بالدواء؛ لكن تفكيري منصب حول علاقتي بربي.
أحس عند التوتر والقلق وما يصاحبه من أعراض أنني ضعيف من حيث التسليم والرضا؛ لأن الحالة تأتي بالمنغصات الخارجية والأحداث التي لا أتقبلها، وأتعلق بالنتائج التي أنا أريدها.
مرحبًا بك أخي الكريم، وأشكرك جزيل الشكر على تواصلك معنا، وأسأل الله أن يربط على قلبك، ويُنزل عليك سكينة من عنده، ويجعل ما تمر به رفعة لدرجاتك وتكفيرًا لسيئاتك، وأن يتم عليك نعمة الشفاء والعافية في دينك وبدنك، وبعد...
فالنفس البشرية ليست آلة صماء، بل هي تضطرب وتتألم، والإيمان لا يلغي المشاعر الإنسانية، بل يهذبها ويوجهها. وإن شعورك بالضعف وقت الأزمة ليس خروجًا عن الرضا، بل هو صفة بشرية أقرَّها القرآن الكريم، وعاناها الأنبياء أنفسهم وكثير من المؤمنين.
المرض النفسي وضعف الإيمان
عليك أن تدرك تمامًا أن الاضطراب النفسي أو القلق هو عارض يصيب الكيمياء الحيوية في الجسد، تمامًا كما يصيب أي مرض أو ألم أي عضو في الجسد؛ لذا فإن التزامك بالدواء ومتابعة الطبيب هو جزء أصيل من التوكل على الله والتسليم لأمره، لقول النبي ﷺ: «تداووا عباد الله، فإن الله عز وجل لم يضع داء إلا وضع له شفاء» [رواه الترمذي].
وإن شعورك بالتوتر والقلق ليس دليلًا على نقص الإيمان وضعف التسليم؛ بل هو ضمن أعراض حالة طبية. فالمؤمن قد يمرض جسديًّا ويشعر بالألم ويئن، ولم يقل أحد أن أنينه ينافي الرضا. وكذلك القلق النفسي هو «أنين النفس» من ضغط المرض، فلا تحمِّل نفسك وزرًا على هذا.
التسليم والرضا عند نزول البلاء
إن التسليم لا يعني غياب الشعور بالألم أو عدم كراهية الموقف المنغص، بل يعني ألا تعترض على حكمة الله بلسانك أو بقلبك اعتراضًا يورث القنوط. تأمل في حال نبي الله يعقوب -عليه السلام- عندما فقد ولديه، هل كان يضحك مستبشرًا؟ بل قال الله عنه: ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [يوسف: 84]. هذا الحزن الشديد وبياض العين لم يقدح في نبوته ولا في تسليمه؛ لأنه قال: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: 86].
فالرضا هو أن تقول: «رضيت بقدر الله وقضائه» وأنت تتألم، تمامًا كالمريض الذي يشرب الدواء المرَّ وهو يكره طعمه، لكنه راضٍ بتناوله لأنه يعلم أن فيه شفاءه.
فك الارتباط بالنتائج وتفويض الأمر
تذكر -يا أخي- أن دورك كعبد هو السعي، أما النتائج فهي شأن الرب جل وعلا. فعندما نتعلق بنتيجة معينة ونحزن لعدم تحققها، نكون قد دخلنا في منطقة ليست لنا. يقول الله تعالى: ﴿وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 216].
وقصة العبد الصالح مع موسى -عليه السلام- هي أعظم مثال؛ فقد خرق السفينة (وهو منغص خارجي ومصيبة) ليحميها من ملك ظالم (وهي نتيجة لم يدركها سيدنا موسى وقتها). فربما المنغص الذي تعيشه اليوم هو مجرد خرق لسفينتك ليحفظها الله لك من شرور لا تراها.
خطوات عملية لمواجهة القلق النفسي
1- تقبل الضعف البشري: قل لنفسك: «أنا الآن في حالة مرضية، ومن الطبيعي أن أشعر بهذا القلق، وهذا لا يعني أن الله غاضب عليَّ».
2- الأذكار: داوم على ذِكر «لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ» فهو دعاء ذي النون الذي كشف الله به الغم عنه. وكذلك على غيره من الأذكار، فالله -عز وجل- يقول: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ [الرعد: 28].
3- عِش يومك: القلق غالبًا ما يكون حول المستقبل، أو نتائج لم تأتِ بعد. فركِّز على أن تعيش اللحظة الحالية فقط، وأشغل نفسك بتجاوزها، ولا تفكر فيما سيأتي بعد، وفوض الأمر فيه لله تعالى.
وختامًا أخي الكريم، إن الله لا ينظر إلى اضطراب نبضات قلبك وقت القلق كعلامة تمرد، بل ينظر إلى محاولتك رغم الألم أن تبقى قريبًا منه. أنت في جهاد، ومجاهدة النفس على الرضا وسط العاصفة النفسية هي من أعلى مقامات العبودية.
أسأل الله أن يشرح صدرك، ويضع عنك وزرك، وينير بصيرتك، ويجعل عاقبة أمرك خيرًا وطمأنينة. اللهم اصرف عنه هموم النفس، ووساوس الصدر، واكتب له شفاءً لا يغادر سقمًا، وارضه بقضائك حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه. اللهم آمين.
روابط ذات صلة:
كيف أميز بين الرضا بالقضاء والاستسلام للأمر الواقع؟