الإستشارة - المستشار : أ. فتحي عبد الستار
- القسم : العلاقة بالقرآن
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
31 - رقم الاستشارة : 5407
25/07/2026
السلام عليكم ورحمة الله،
أنا شاب أشتغل في مجال يتطلب تركيز عالي وضغط يومي. أحاول أحافظ على وردي اليومي من القرآن، خصوصًا إني تربيت في بيئة حريصة على القرآن وحافظ أجزاء كثيرة منه من صغري.
لما أفتح المصحف وأبدأ أقرأ، أحس كأن لساني يتحرك بشكل آلي بحكم الحفظ والتكرار، بينما عقلي وقلبي في وادي ثاني. أقرأ الآيات والسور اللي حفظتها من طفولتي، وما ينهز فيني شي، ولا ألقى ذاك الخشوع أو الدموع اللي أسمع عنها أو أشوفها على غيري.
صرت أتعامل مع القرآن كأني أقرأ نص متعود عليه ومر علي مئات المرات.
فـوش تفسير هذا الجمود والجفاف اللي أحس فيه؟
وكيف أكسر حاجز التعود والروتين مع السور والآيات اللي حفظتها من الصغر وكررتها مئات المرات؟
وش هي الخطوات العملية (بعيد عن الكلام النظري) اللي تعينني أفتح أبواب التدبر الحقيقي، عشان يتحرك قلبي ويتأثر؟
وعليكم
السلام ورحمة الله وبركاته..
مرحبًا
بك يا ولدي، وأشكرك على ثقتك بنا وتواصلك معنا، وأسأل الله أن يرفع قدرك، وأن يشرح
صدرك، وأن يفيض على قلبك من أنوار القرآن الكريم، وأن يجعلك من أهل القرآن الذين
هم أهل الله وخاصته، وأن يبارك لك في وقتك وعملك وجُهدك، وبعد...
لماذا
تفتقد التفكر والتأثر؟
عندما
يحفظ العقل نصًّا ويكرره مئات المرات منذ الصغر، يُنشئ المخ مسارات عصبية سريعة
تجعله يخرج دون استهلاك طاقة ذهنية كبيرة، ويتحول الأمر إلى سلوك آلي، تمامًا كما
تقود سيارتك في طريق مألوف فتجد نفسك وصلت دون أن تتذكر تفاصيل الطريق.
وقد
أشار القرآن الكريم إلى خطورة طول العهد والاعتياد إذا لم يُتدارك باليقظة، قال
تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ
اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا
الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾
[الحديد: 16].
كما
أن عملك الذي يتطلب تركيزًا عاليًا يستنزف طاقة دماغك، وعندما تأتي إلى المصحف
بذهن مُجهَد ومستنزَف، يختار العقل مسار القراءة الآلية السهلة توفيرًا للطاقة،
فيتخلَّى عن التفكر والتفاعل؛ لأنهما يتطلبان طاقة ذهنية غير متوفرة لديك في تلك
اللحظة.
أداتان
نحتاجهما للتدبر والتأثر
القرآن
الكريم ينبهنا إلى أن التأثر يحتاج إلى اجتماع أداتين: السمع (أو القراءة) وحضور
القلب، قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ
أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: 37]؛ أي حاضرًا بقلبه لا غائبًا في أودية
العمل وضغوط الحياة.
كيف
نكسر حاجز التعود مع السور المحفوظة؟
لفعل
ذلك نحتاج إلى قطع الترابط التلقائي بين اللسان والذاكرة، وذلك عن طريق:
1-
تغيير المصحف: جرب القراءة من مصحف جديد بصفحات ذات تقسيم
مختلف، أو مصحف بالتفسير الميسر على الهامش. هذا يجبر عينيك ودماغك على القراءة
البصرية بتركيز، ويمنع استدعاء الشريط الذاكري الآلي.
2-
تركيز العين أو الإشارة بالإصبع: لا تعتمد على حفظك؛ بل أشر
بإصبعك أو بصرك على كل كلمة تقرؤها وكأنك تقرؤها للمرة الأولى.
3-
إبطاء سرعة القراءة: خفِّض سرعتك في الترتيل، وأعطِ كل
حرف حقه، وقِفْ عند رؤوس الآيات.
4-
الكيف قبل الكم: اجعل هدفك استقرار الآية في قلبك،
وليس قراءة كم كبير. فلو خرجت من وردك بآية واحدة هزت وجدانك وعقِلتها، فهو خير لك
عند الله من قراءة جزء كامل بلسان غافل وقلب هائم.
5-
تكرار الآيات التي تلمسك: عندما تمر بآية تلامس حالتك
النفسية أو تقصيرك، أو تعبر عن معنى استشعرته، لا تتجاوزها بسرعة. كررها أكثر من
مرة بتأنٍّ. فقد قام النبي ﷺ بآية واحدة يكررها طوال الليل حتى أصبح،
وهي قوله تعالى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ
لَهُمْ فَإِنَّهُمْ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [رواه النسائي وابن ماجة].
6-
التفاعل مع محتوى الآية: فعن حذيفة بن اليمان -رضي الله عنه- في
وصف قراءة النبي ﷺ بالليل قال: «إِذَا مَرَّ بِآيَةٍ فِيهَا تَسْبِيحٌ سَبَّحَ، وَإِذَا مَرَّ
بِسُؤَالٍ سَأَلَ، وَإِذَا مَرَّ بِتَعَوُّذٍ تَعَوَّذَ» [رواه مسلم]. فإذا مررت
بآية رحمة، توقف وقل: «اللهم إني أسألك من فضلك». وإذا مررت بآية عذاب، توقف وقل:
«أعوذ بك من نارك».
7-
معرفة تفسير الآيات: قبل القراءة، خصص بعض دقائق لقراءة تفسير
المقطع الذي سترتله من أحد كتب التفاسير، لتكتشف معاني جديدة في الآيات وتعيش
معها.
8-
القراءة في أوقات النشاط: فلا تجعل وردك في نهاية يومك وأنت
على وشك النوم، بل اجعله في وقت نشاطك، مثلًا بعد صلاة الفجر،
وقبل ذهابك إلى عملك. صلاة قيام الليل/الشفع والوتر: اقرأ بصوت مسموع ومن المصحف
في ركعتين هادئتين.
9- الفصل
بين مسار الحفظ ومسار التدبر: خصص وقتًا لمراجعة الحفظ، تكون قراءتك فيه
سريعة، وخصص وقتًا آخر للتلاوة المتدبرة، تقرأ فيه ببطء وتأمل.
وختامًا
يا ولدي، لا تيأس من تكرار المحاولة، فإن مجرد مجاهدتك في هذا هي عبادة عظيمة تؤجر
عليها، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا
وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: 69].
أسأل
الله أن يحيي قلبك بنور القرآن، وأن يرزقك لذة مناجاته، وحلاوة تدبر كلامه. اللهم
اجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء أحزاننا، وذهاب همومنا
وغمومنا. اللهم ذكِّرنا منه ما نسينا، وعلمنا منه ما جهلنا، وارزقنا تلاوته آناء
الليل وأطراف النهار على الوجه الذي يرضيك عنا. وصلِّ اللهم وسلم وبارك على نبينا
محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
روابط
ذات صلة:
كيف نعيد بناء علاقة الشباب بالقرآن الكريم؟
يقرأ القرآن ولا يتأثر.. ما السبيل إلى حضور القلب؟