هل ارتباط ألفاظ القرآن ببيئة وزمن نزوله ينفي عنه صلاحيته للعالمين؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. فتحي عبد الستار
  • القسم : العلاقة بالقرآن
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 11
  • رقم الاستشارة : 5771
05/09/2026

قرأت على فيسبوك منشورًا يهاجم مقولة إن القرآن صالح لكل زمان ومكان، وأنه معجزة متجددة، ويتهمه بالارتباط بالسياق البيئي الذي نزل فيه، وأنه يخاطب بيئة صحراوية وثقافية محددة في القرن السابع الميلادي، مما يجعله يعكس مفاهيم تلك البيئة ولغتها، وبالتالي لا يصلح لأي أزمنة ولا أمكنة أخرى.

أربكتني هذ الشبهة ولم أجد لها إجابة في نفسي؛ خاصة أني فعلا عندما أقرأ القرآن أجد صعوبة في فهم بعض كلماته وتشبيهاته وأمثلته، وأحتاج إلى كتب تفسير أو معاجم لفهمها، ومن ثم ربطها بالواقع الذي نعيشه. فهل أجد لديكم ردا يشفي صدري؟

 

الإجابة 05/09/2026

مرحبًا بك أخي الكريم، وأشكرك على ثقتك بنا وتواصلك معنا، وأسأل الله العلي القدير أن يشرح صدرك، وينير بصريتك، ويثبِّت قلبك على الحق، وأن يجعل هذا القلق الإيماني سببًا لزيادة علمك وقربك منه سبحانه، وبعد...

 

فإن ما قرأته على «فيسبوك» ليس بجديد؛ بل هي شبهة تُطرَح بأشكال مختلفة عبر التاريخ، وتقوم على الخلط بين أدوات الخطاب وزمان نزوله، وبين مضامين الخطاب وكلياته الخالدة. ولأنك إنسان تبحث عن الحقيقة وتتأثر بما تقرأ، فمن الطبيعي أن يُحدث هذا الطرح بعض الإرباك، خصوصًا مع تراجع معرفة المسلمين بلغة كتابهم، وعجز كثير منهم عن فهم معاني ألفاظه دون تفسير وشرح.

 

ضرورة تنزيل النص بلُغة وواقع المخاطبين الأوائل:

 

يجب يا أخي في هذا السياق أن نفرق بين المبدأ الكلي والمَثَل المضروب. فلو نزل القرآن الكريم يحدِّث أهل شبه الجزيرة العربية عن المجرَّات الشاسعة في الفضاء، أو الجليد في قطبي الكرة الأرضية، أو عن أجهزة الحاسوب، والهواتف المحمولة، وذلك في القرن السابع الميلادي، لكان الخطاب بالنسبة لهم غير مفهوم ومستحيلًا، ولكان ذلك مناقضًا للحكمة والإبانة. لذا اقتضت حكمة الله أن ينزل القرآن بلغة العرب وبألفاظهم المستعملة وقتها، وبأمثلة من واقعهم الذي يرونه ويعايشونه، ليشكِّلوا النواة الأولى التي تحمل هذا الدين للعالم كلخ، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بلسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: 4].

 

تشبيهات بيئية بتطبيقات عالمية

 

استعمل الله -عز وجل- في القرآن ضرب الأمثال لتقريب الحقائق العقائدية والأخلاقية. فحينما يقول الله تعالى: ﴿أَفَلا يَنظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [سورة الغاشية: 17]، فالمقصود المباشر ليس الإبل بذاتها كحيوان محلي فقط، بل التفكر في بدائع المبدع وقدرته في الخلق. واليوم، لو نظر عالم أحياء إلى الخلية، أو نظر عالم فلك إلى المجرات، فهو يمارس عين المبدأ الذي دعت إليه آية الإبل. فمظاهر البيئة الواقعية هي الوسيلة للوصول إلى المعنى الخالد.

 

2- الخطاب الإنساني الشامل:

 

والقرآن لم يقتصر خطابه على البيئة البدوية؛ بل خاطب الإنسان عمومًا في كل زمان ومكان: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى﴾ [الحجرات: 13]، وناقش أمراض النفوس كالكبر، والحسد، والغرور، وناقش الأخلاق كالصدق، والعدل، والرحمة، والحرية، والمسؤولية الفردية. وهذه الأمراض والأخلاق لا تختص ببيئة معينة ولا زمان معين؛ بل هي مصاحبة للوجود الإنساني في كل زمان وكل مكان.

 

كيف يكون القرآن معجزة متجددة وصالحًا لكل زمان؟

 

إن صلاحية القرآن لكل زمان ومكان لا تعني أنه كتاب يبسط العلوم الكونية، من هندسة أو طب، ولا تعني أنه دليل تشغيلي للتقنيات؛ بل تعني أنه يوفر الإطار المرجعي والأخلاقي والتشريعي والحضاري الذي يحكم السلوك البشري مهما تطورت أدواته.

 

فهو يقدم المعيار التشريعي والأخلاقي، من العدل وتحريم الظلم، وحفظ الضروريات الخمس (الدين، والنفس، والعقل، والعِرض، والمال) وتلك مبادئ حية لا تموت.

 

كما أنه في كل عصر، يكتشف العلماء في القرآن أبعادًا لم يتفطن لها الأسبقون. فما من آية في كتاب الله إلا ولها تأويل صالح لكل زمان ولكل مكان، وذلك من الإعجاز. وروي أن النبي ﷺ قال عن القرآن الكريم: «لا تَشْبَعُ مِنْهُ العُلَمَاءُ، وَلا يَخْلَقُ عَلَى كَثْرَةِ الرَّدِّ، وَلا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ» [رواه الترمذي].

 

صعوبة ألفاظ القرآن عيب فينا لا فيه

 

من الطبيعي جدًّا أن يجد بعضنا صعوبة في فهم بعض كلمات القرآن اليوم، وهذا ليس عيبًا فيه -حاشاه- ولا دليلًا على انتهاء صلاحيته؛ بل هو دليل على ضعفنا نحن وعيبنا نحن، وفقرنا اللغوي المتراكم عبر العصور.

 

إنك يا أخي لو قرأت اليوم مسرحية أو رواية أو أي كتاب لكاتب مرموق من القرن الماضي فقط، فستحتاج بالتأكيد إلى المعاجم لفهم بعض مفرداته، ولن تقول ساعتها إن هذا الكاتب ضعيف؛ بل ستدرك أنه كتب بمفردات عصره التي كان الناس يفهمونها بسهولة في ذلك الوقت.

 

الصحابة أنفسهم احتاجوا للتفسير أحيانًا

 

ثم إن الصحابة -رضوان الله عليهم- وهم أهل اللغة والفصاحة، كانوا يحتاجون أحيانًا لبيان النبي ﷺ لبعض الآيات. فعندما نزلت الآية الكريمة: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: 82]، شق ذلك على الصحابة وقالوا: أيُّنا لم يظلم نفسه؟ فبيَّن لهم النبي ﷺ أن الظلم هنا هو الشِّرك، واستشهد بقول لقمان لابنه: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: 13].

 

فإذا كان أرباب اللغة استفسروا عن معاني بعض الألفاظ بالسؤال، فكيف بنا نحن بعد أكثر من 1400 عام؟

 

اقتراحات لبناء علاقة واعية مع القرآن

 

1- تغيير النظرة لمفهوم القراءة: لا تجعل قراءتك للقرآن مجرد تلاوة سريعة للألفاظ؛ بل خصص وردًا يوميًّا -ولو صفحة واحدة- للتدبر في المعاني، واستعن بمصحف به هامش معاني الألفاظ، أو أحد التطبيقات على الهاتف التي تقدم ذلك.

 

2- الاستعانة بكتب تفسير معاصرة: إذا شعرت بصعوبة في الاستعانة بكتب التفسير التراثية، فيمكنك الاستعانة بكتب معاصرة، مثل «التفسير الميسر» الذي أعده نخبة من العلماء، و«تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان» المعروف بـ«تفسير السعدي».

 

3- تحويل الصور القرآنية إلى معنى معاصر: عندما تمر بآية فيها تشبيه بشيء من بيئة العرب القدماء (السحب، والجبال، والإبل، والخيل...)، اسأل نفسك: «ما المعنى المترتب على هذا التشبيه؟ وما العبرة المقصودة منه؟

 

على سبيل المثال، عندما تقرأ قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [سورة الأنفال: 60] فالمعنى المترتب عليه والعبرة المقصودة منه: إعداد القوة العسكرية والرادعة في كل عصر بما يناسبه، فمكان الخيل الآن توجد الدبابات والطائرات والصواريخ... إلخ.

 

4- انتقاء الحسابات والمنصات التي نتابعها: إن حسابات جمة على مواقع التواصل الاجتماعي، وكثيرًا من المنصات الإلكترونية، مليئة بالطرح العشوائي الذي يقصد الإثارة وتشكيك الناس في دينهم دون منهجية علمية محترمة. فحصِّن نفسك فكريًّا بعدم التعرض المباشر للشبهات قبل بناء قاعدة معرفية متينة، ولا تتردد في استشارة المختصين أو الرجوع للمصادر الموثوقة فور ورود أي شبهة تشكل عليك.

 

وختامًا أخي الكريم، إن الشبهة التي أربكتك هي شبهة شكلية تنطلي على من ينظر إلى قشور النص القرآني ولا ينفذ إلى روحه ومبادئه. فالقرآن نزل بلغة بيئة معينة ليفهمه أهلها أولًا، وصيغت مبادئه وأحكامه بأسلوب كلي ليقود البشرية جمعاء إلى قيام الساعة.

 

أسأل الله العظيم أن يرزقك ثباتًا في القول والعمل، وأن ينير قلبك بنور القرآن، وأن يجعله لك إمامًا وهدى ورحمة، وصلِّ اللهم وسلِّم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

روابط ذات صلة:

كيف أتعامل مع الآيات التي لا أفهمها ولا أقتنع بتفسيرها؟

التعليقات

الرابط المختصر :