الإستشارة - المستشار : أ. فتحي عبد الستار
- القسم : روح العبادات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
64 - رقم الاستشارة : 4319
14/03/2026
في هذه الليالي المباركة من رمضان، يكثر الناس من الدعاء وطلب الحاجات، وتتعدد المقاصد بين مطالب دنيوية ورغبات شخصية. لكن يقال إن ذكاء العبد الحقيقي يظهر في قدرته على تركيز القصد، فيجعل أعظم همّه إصلاح قلبه، وطلب الثبات، والسعي لنفع الأمة، بدل أن يشتت نفسه في ملاحقة الأمنيات المادية العابرة.
فهل الأولى للمسلم في هذه الليالي العظيمة أن يركّز دعاءه ونيته على إصلاح الجوهر والقلب وطلب القرب من الله وثبات الإيمان، أم أن الإكثار من طلب الحاجات الدنيوية لا يتعارض مع ذلك؟
وكيف يوازن المؤمن بين الدعاء لمصالحه الخاصة وبين سمو المقاصد الكبرى كصلاح القلب ونفع المسلمين، حتى يحقق المعنى الحقيقي لاغتنام هذه الليالي المباركة؟
مرحبًا بك أخي الفاضل، وأشكرك على تواصلك معنا، وعلى سؤالك الذي ينمُّ عن وعي كبير وحرص على استثمار مواسم الطاعات. أسأل الله أن يبارك لك في هذه الليالي العشر، وأن يرزقك فيها قلبًا خاشعًا، ولسانًا ذاكرًا، ودعاءً مستجابًا، وأن يبلغك ليلة القدر وهو راضٍ عنك.
الدعاء روح العبادة
إنَّ الدعاء هو روح العبادة ولبُّها، وفي ليالي رمضان المباركة، حيث تتنزل الرحمات، يقف العبد بين يدي ربه طارقًا باب الكرم. وما تفضلت بذكره حول «ذكاء العبد» في تركيز القصد هو جوهر الفقه في الدعاء؛ فالدعاء ليس مجرد قائمة طلبات، بل هو إعلان افتقار، وتعبير عن أولويات العبد في مسيره إلى الله.
أولوية إصلاح القلب
لا شك أن انشغال العبد بإصلاح باطنه وطلب القرب من الله هو المقصد الأسمى. فالقلب هو ملك الأعضاء، وإذا صلح صلح الجسد كله، وإذا زكا القلب زكت معه سائر الأعضاء.
وفي القرآن الكريم، نجد أن الله -سبحانه- ركَّز على سلامة القلب كمعيار للنجاة، قال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: 88 و89].
وفي السنة النبوية، كان من أكثر دعاء النبي ﷺ: «يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ، ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ» [رواه الترمذي]. وهذا يعلمنا أن الثبات وصلاح القلب هما رأس مال المسلم الحقيقي، وأنَّ إصلاح القلب يجعل الدنيا -بكل ما فيها- خادمة للعبد لا مخدومة، وممرًّا لا مقرًّا.
هل يتعارض طلب الحاجات الدنيوية مع سمو المقاصد؟
قطعًا: لا تعارض. فالإسلام دين الواقعية والفطرة، والله يحب أن يُسأل في كل شيء، حتى في «شسع النعل» كما ورد في الأثر. إن طلب الرزق، والزواج، والذرية، والنجاح، كلها أمور مشروعة؛ بل قد يؤجر عليها العبد إذا نوى بها الاستعفاف والتقوِّي على طاعة الله.
والله -عز وجل- علمنا دعاءً جامعًا يوازن بين الدارين: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: 201].
وقد وجدنا لدى الأنبياء، أن زكريا -عليه السلام- دعا بالذرية: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ [آل عمران: 38]، وسليمان -عليه السلام- طلب الملك: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [ص: 35]. فالدنيا في أيديهم لا في قلوبهم، وسؤالهم لها كان لتحقيق مقاصد شرعية.
كيف تحقق الموازنة في الليالي العشر؟
المؤمن اللبيب هو الذي يجعل دنياه تُخدم دينه، ويوازن في دعائه عبر ثلاث خطوات عملية:
1- الأهم ثم المهم:
ابدأ دعاءك بالثناء على الله، ثم الصلاة على النبي ﷺ، ثم اسأل الله ما يخص آخرتك (المغفرة، العتق من النار، رؤية وجهه الكريم، الثبات، صلاح القلب). فإذا امتلأ القلب بهذا الصفاء، فسلْ ما شئت من حوائج الدنيا، فستأتيك وهي مبارك فيها.
2- تحويل العادات إلى عبادات:
عندما تطلب حاجة دنيوية، اربطها بمقصد أخروي. فلا تطلب المال لمجرد الغنى، بل قل: «اللهم ارزقني مالًا أصون به وجهي، وأتصدق به على الفقراء، وأنفع به المسلمين».
3- الدعاء للغير وللأمة:
من ذكاء العبد أن يدعو لغيره، ففي الحديث: «دَعْوَةُ الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ مُسْتَجَابَةٌ، عِنْدَ رَأْسِهِ مَلَكٌ مُوَكَّلٌ كُلَّمَا دَعَا لِأَخِيهِ بِخَيْرٍ، قَالَ الْمَلَكُ الْمُوَكَّلُ بِهِ: آمِينَ، وَلَكَ بِمِثْلٍ» [رواه مسلم]. فإذا دعوت لصلاح أحوال المسلمين، ونصرة المستضعفين، وهداية العصاة، فأنت في الحقيقة تدعو لنفسك وتنال تأمين الملائكة.
وختامًا أيها السائل الكريم، إن الجمع بين الدعاء بصلاح الجوهر وطلب الحاجات الدنيوية هو كمال العبودية. فادعُ الله بكل ما يختلج في صدرك، لكن اجعل الهم الأكبر هو القبول والرضا والثبات. ولا تنسَ في خلواتك أن تسأل الله أن يستعملك في نفع عباده، فخير الناس أنفعهم للناس.
اللهم يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام، اجعل همَّنا الآخرة، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا. اللهم أصلح قلوبنا، وثبت إيماننا، واقضِ حوائجنا وحوائج السائلين بما يرضيك عنا. اللهم تقبل منا صيامنا وقيامنا ودعاءنا، واجعلنا في هذه الليالي من عتقائك من النار. اللهم آمين.
روابط ذات صلة: