الإستشارة - المستشار : د. عادل عبد الله هندي
- القسم : فئات المدعوين
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
11 - رقم الاستشارة : 5522
04/08/2026
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
أنا موجه دعوي في قطاع السجون والمؤسسات الإصلاحية والتأهيلية. أواجه أزمة حادة تتمثل في "ضعف كفاءة وغياب الأدوات المهارية والنفسية لدى الدعاة الموجهين للنزلاء".
المشكلة تكمن في أن الدعاة يدخلون إلى السجون بعقلية خطيب الجمعة التقليدي؛ فيلقون مواعظ عامة وجافة عن عذاب القبر وأهوال القيامة دون مراعاة للحالة النفسية المعقدة للنزيل، أو فهم أسباب انحرافه الجنائي، أو استخدام مهارات الاستماع والاحتواء النفسي، مما يسبب نفورًا صامتًا من النزلاء، وتكرارًا لجرائمهم فور خروجهم.
حين نطالب بتغيير الخطاب وتدريب الدعاة على فقه النفس وعلم الاجتماع الجنائي، يرى البعض أن الوعظ المباشر هو الأصل، وأن هذه المهارات ترف لا داعي له. كيف نطور أداء الدعاة في هذا الميدان الحساس؟
وعليكم السلام
ورحمة الله وبركاته، حياكم الله وبياكم أيها الموجه المبارك؛ إن تشخيصك الدقيق
لضعف مهارات الدعاة في المؤسسات الإصلاحية يمس ثغرًا دعويًّا غاية في الحساسية؛ إذ
إن التعامل مع أصحاب الجنايات والنفوس المنكسرة خلف القضبان يتطلب فقهًا خاصًّا
وأدوات بالغة الرقة والعمق، وغيابها يحول الدعوة من بلسم شافٍ إلى أداة لزيادة
النفوذ والقنوط.
إن الشريعة
الإسلامية قامت على إحياء النفوس، وفتح أبواب الأمل، والرفق بالخطائين لانتشالهم
من وحل الجريمة إلى رحاب التوبة الكريمة؛ وتأمل المنهج النبوي الشريف في معالجة
الانحرافات؛ فحين جاءه الشاب يطلب الإذن بالزنا علنًا، لم يزجره أو يطرد، بل أدناه
منه بقمة الرفق، واستخدم الحوار العقلي الهادئ الملامس للفطرة الإنسانية قائلاً:
«أَتُحِبُّهُ لأُمِّكَ؟...»
ثم وضع يده
الشريفة على صدره ودعا له بطهارة القلب وتحصين الفرج [رواه أحمد]. هذا المزيج
المبدع بين الرفق، والفهم النفسي، والحوار العقلي هو الأساس في دعوة الفئات
المنكسرة؛ والنزيل في السجن يحتاج أولاً إلى إشهاد محاسن الدين، وفتح باب الرجاء،
وبناء الثقة بالنفس، قبل إمطار رأسه بآيات الوعيد والعقاب؛ والله تعالى يقول: ﴿اذْهَبَا
إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ
يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: 43-44]، فإذا كان هذا لفرعون، فكيف بالمسلم
المذنب المنكسر؟
إن التطوير يفرض
الانتقال بالدعاة من دور "الواعظ الفوقي المحاسب" إلى دور "المصلح
التربوي والطبيب النفسي المشفق"؛ فيجب إدراك أن السجن ليس مجرد مكان للعقوبة،
بل هو ميدان دعوي خصب لإعادة صياغة الإنسان وبنائه قيميًّا ومهاريًّا ليعود عضوًا
صالحًا في جسد الأمة.
ولتحقيق
ذلك ميدانيًّا نوصي بالخطوات التالية:
أولاً: منع
الدخول العشوائي للدعاة إلى السجون، واشتراط اجتياز برنامج تأهيلي مكثف يسمى
"فقه النفس والدعوة الإصلاحية"، يتلقى فيه الداعية مبادئ علم النفس
السلوكي، وكيفية التعامل مع الصدمات ونوبات الاكتئاب لدى السجناء.
ثانيًا: استبدال بالمحاضرات
الجماعية العامة "جلسات الإنصات الثنائية الهادئة"، حيث يجلس الداعية مع
النزيل يستمع لتفاصيل مشكلته دون إصدار أحكام إدانة، ويبني معه خطة تعافٍ إيمانية
وسلوكية شخصية.
ثالثًا: إطلاق
"برنامج التدريب الحرفي والمهاري المصاحب للدعوة"، بحيث تتبنى الجهة
الدعوية تدريب السجناء على مهارات يدوية أو تقنية داخل السجن وربطها بقيمة
"الأمانة وإتقان العمل"، ومساعدتهم في إيجاد فرص عمل شريفة فور خروجهم
لمنع ارتدادهم للجريمة بسبب الفقر وعزلة المجتمع.
وأنصحك
ختامًا بما يأتي:
• صمّم
"حقيبة الوعظ الإصلاحي الميسر" التي تركز على أحاديث التوبة، والرجاء،
وبناء الذات، ولتكن هي المرجع المعتمد للدعاة في السجون.
• احرص على
التنسيق مع الأخصائيين النفسيين والاجتماعيين داخل المؤسسة الإصلاحية لتبادل
المعلومات حول الحالات المستعصية وضمان تكامل العلاج.
• لا تتردد في
إبراز نماذج التائبين الناجحين الذين تخرجوا من السجون وأصبحوا عناصر منتجة، لبث
روح الأمل في نفوس البقية.
وأسأل الله أن
يبارك في جهودكم، ويجعلكم مفاتيح للخير مغاليق للشر، وينقذ بكم هذه النفوس
المنكسرة.
روابط ذات صلة: