الإستشارة - المستشار : د. عادل عبد الله هندي
- القسم : فئات المدعوين
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
16 - رقم الاستشارة : 5548
08/08/2026
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
أنا مشرفة قطاع كبار السن ومحو الأمية في مجمع دور الحافظات النسائي. أتوجه إليكم بهذه الاستشارة لوجود خلل منهجي نلاحظه؛ وهو ظاهرة "التركيز على فك الخط الهجائي الصرف وغياب البناء القيمي والتربوي في برامج محو الأمية للكبار".
المشكلة تكمن في أن المناهج والمعلمات يستهلكن كامل الوقت والجهد في تعليم النساء كبار السن كفية كتابة وقراءة الحروف والكلمات الجافة (مثل: رسم، درس، حصد)، دون استغلال هذه الساعات الطويلة في غرس وتصحيح المفاهيم العقدية والفقهية الأساسية لديهن، أو معالجة العادات والتقاليد الخاطئة السائدة في بيئاتهن (كالحلف بغير الله، والتبرج، وسوء معاملة الكنات).
في المقابل نرى إقبالاً مشحوبًا بالملل من الأمهات؛ وحين نقترح دمج قيم الدين وأحكامه في نصوص القراءة والكتابة، يواجه المقترح بالرفض بحجة الالتزام بالمقررات المعتمدة من قطاع التعليم.. كيف نطور وسائل التوعية والدعوة التعليمية لكبار السن لجمع نفع الدنيا والدين بذكاء؟
وعليكم السلام
ورحمة الله وبركاته، حياكم الله وبيَّاكم أيتها الأخت الفاضلة والمشرفة المباركة؛
إن تشخيصك لغياب التأصيل القيمي عن برامج محو الأمية لكبار السن يضع اليد على ثغر
تعليمي ودعوي مهمل ومهم؛ فهؤلاء الأمهات والكبار يملكون قلوبًا رقيقة وفطرة طيبة،
وجلوسهنّ لساعات طويلة في قاعات دور الحافظات هو فرصة ذهبية لا تعوض لتعليمهن ما
يصحح عقيدتهن وعبادتهن وحياتهن الاجتماعية، وليس مجرد فك الخط.
إن المنهج
الإسلامي في تعليم الكبار والأميين قام تاريخيًّا على جعل "النص الشرعي
والقيمي" هو المادة الأساسية لتعلم القراءة والكتابة والارتقاء بالإنسان؛
وتأمل كيف تحولت أمة العرب من أمة أمية لا تكتب ولا تحسب إلى قادة للعالم ومنارة
للعلم، لم يكن ذلك عبر نصوص الحروف الجافة، بل لأن مادتهم الأولى لتعلم الخط
والقراءة كانت هي القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف؛ فتعلموا الخط، واللغة،
والعقيدة، والأخلاق، والأحكام في آن واحد.
والله تعالى
يقول: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو
عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾
[الجمعة: 2]، فالجمع بين محو الأمية الهجائية ومحو الأمية الدينية والسلوكية هو
جوهر التزكية الإسلامية. وإن تضييع أوقات الأمهات الكبار في تكرار كلمات هامشية لا
تنفع في دين ولا دنيا هو تقصير في فهم هندسة المناهج الدعوية والتعليمية.
إنَّ الإصلاح
يفرض الانتقال الشجاع من عقلية "المدرسة الهجائية الجافة" إلى مربع
"المحضن التربوي التوعوي الشامل للأمهات"؛ بدمج نصوص الوحيين وقيم
السلوك كقاعدة أساسية لتعلم القراءة والكتابة بأسلوب محبب ومناسب لأعمارهن.
ولتحقيق هذا
التميز في قطاعكن المبارك نوصي بالخطوات التنفيذية التالية:
أولاً: إعادة
تصميم "كتاب القراءة المطور للأمهات"، بحيث تصبح الجمل والنصوص المخصصة
للتدرب على الهجاء والخط مستمدة حصريًّا من (أركان الإسلام، فقه الطهارة والصلاة
الميسر، أدعية الصباح والمساء، وقيم بر الوالدين وصلة الأرحام)؛ فبدلاً من كتابة
(رسم، درس)، يتدربن على كتابة وقراءة (توضأ، صلى، صدق)، فيتحقق محو الأمية
الهجائية والدينية معًا.
ثانيًا: تفعيل
"فقرة الفقه الحياتي الحواري المباشر"، وهي ربع ساعة أسبوعية خارج كراسة
الخط، تجلس فيها المعلمة مع الأمهات بروح الصداقة واللطف، لتصحيح الأخطاء الشائعة
في العبادات والعادات السلوكية السائدة في بيوتهن بأسلوب رقيق يبتعد عن التوبِيخ
الشديد.
ثالثًا: إطلاق
مسابقة "الأم القدوة القرآنية"، وهي مسابقة دورية تشجيعية لا تعتمد على
سرعة التعلم فحسب، بل على انضباط الأم، وحسن خلقها مع زميلاتها، ومدى تطبيقها
للقيم التي تعلمتها في بيتها بشهادة أبنائها، مما يرفع دافعيتهن للتعلم والارتقاء
السلوكي.
وأنصحك
ختامًا بما يأتي:
• اعقدي ورشًا
تدريبية مكثفة للمعلمات حول "مهارات التعامل مع الكبار"، ليتعلمن الصبر
العالي، والابتسامة، والابتعاد عن أساليب تقييم الصغار المنفرة لكبار السن.
• احرصي على
استخدام وسائل الإيضاح البصرية الكبيرة والتطبيقات العملية (كالوضوء العملي أمام
الأميات) لتثبيت الأحكام الفقهية في أذهانهن بعيداً عن التلقين النظري.
• لا تترددي في إقامة حفل تكريمي بهيج
للأمهات اللواتي يحققن تقدمًا، ودعوة أبنائهن وبناتهن لحضور الحفل لرفع قدرهن وبث
الفخر في نفوسهن وعائلاتهن.
وأسأل الله
العظيم أن يبارك في هذا الغرس الطاهر، ويجعل جهودكن ثقلاً في موازينكن، وينور قلوب
وعقول أمهاتنا بنور العلم والإيمان.
روابط ذات صلة:
تحديات دعوة كبار السن الذين اعتادوا على نمط معين من الحياة