الإستشارة - المستشار : أ. فتحي عبد الستار
- القسم : مناهج الدعوة ووسائلها
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
13 - رقم الاستشارة : 5721
29/08/2026
السلام عليكم ورحمة الله.
انتشرت في الآونة الأخيرة على منصات التواصل الاجتماعي ظاهرة توثيق التجاوزات والجرائم - كالتعديات، والسرقات، والمخالفات الأخلاقية - عبر مقاطع فيديو يُصوِّرها الحاضرون؛ إما بنية الفضيحة والردع المجتمعي، وإما بهدف تبليغ الجهات المختصة لمعاقبة الجناة.
وقد لاحظتُ أن هذه الظاهرة أحدثت أثرًا ملموسًا؛ إذ أصبح كثير من الناس يحسبون ألف حساب لعدسات الهواتف وكاميرات المراقبة في الشوارع، ويتورعون عن فعل المنكر خشية التشهير أو الملاحقة القانونية.
غير أن هذه الظاهرة أورثت في قلبي خاطرةً أرعبتني؛ إذ تجلّى لي كيف صار خوف الناس من كاميرات البشر وتوثيقهم أشد حضورًا في النفوس من الاستحضار الدائم لمراقبة الله عز وجل اللصيقة بنا، وكتابة الملائكة الحفظة لكل صغيرة وكبيرة من أعمالنا!
أثار هذا في نفسي حزنًا وعجبًا من استهانتنا بنظر الخالق جل جلاله ومراقبته، في مقابل خشيتنا من الوازع الدنيوي ومحاسبة ا الخلق.
فما الطرق والأساليب العملية لترسيخ عقيدة المراقبة الإلهية لدى المجتمع، حتى لا تظل تقوى الله رهن وجود الكاميرات أو غيابها؟
وكيف نوازن بين فائدة الوازع الدنيوي في ردع الفاسدين والمجرمين وبين الأثر النفسي والسلوكي الأصيل للوازع الإيماني، دون أن يطغى أحدهما على الآخر؟
وجزاكم الله خيرًا.
وعليكم
السلام ورحمة الله وبركاته، ومرحبًا بك أخي الكريم، وأشكرك على ثقتك بنا وتواصلك
معنا، وأسأل الله -تعالى- أن يبارك فيك، وأن يجعلنا وإياك ممن يستمعون القول
فيتبعون أحسنه، وأن يرزقنا خشيته في الغيب والشهادة، وبعد...
فلقد
وضعت يدك أخي الفاضل على مفصل حرج من مفاصل التزكية والسلوك الاجتماعي في عصر
الماديات والتقنية الحديثة. والملاحظة التي ذكرتها تشخِّص واقعًا حيًّا؛ حيث أصبحت
عدسات الهواتف وكاميرات المراقبة أشد أثرًا في كبح جماح التجاوزات والمخالفات من
الخوف من اطلاع الرب تبارك وتعالى.
ولا
شك أن رؤية الناس يتورعون عن المعصية مخافة «الفضيحة الرقمية» أو «الملاحقة
القانونية»، بينما يجترئون عليها في الخلوات البعيدة عن الكاميرات، يُورث في قلب
المؤمن حزنًا وألمًا؛ لأنه يتضمن جهلًا بعظمة الله، واستخفافًا بنظره سبحانه.
حقيقة
مراقبة العبد لله عز وجل
إن
عقيدة المراقبة الإلهية هي ما عبَّر عنه النبي ﷺ بمقام «الإحسان»، ففي الحديث لما سأله
جبريل -عليه السلام- عن الإحسان، قال النبي ﷺ: «أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ
تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» [رواه مسلم]. وهو أرفع
مراتب الدين.
وحين
يستقر في يقين العبد أن الله مطَّلع على ظاهره وباطنه، يتولد لديه حياء ذاتي ووازع
داخلي يغنيه عن أي رقابة دنيوية.
وقد
جاء التوجيه القرآني ليرسخ هذه المراقبة في أكثر من موضع، كقوله تعالى: ﴿الَّذِي
يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ [سورة الشعراء: 218
و219]، وقرع القلوب بقوله سبحانه: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [سورة
العلق: 14]، وقوله جل وعلا: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا
تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [سورة الحديد: 4].
فحقيقة
منزلة المراقبة لله سبحانه، هي دوام علم العبد باطلاع الله عليه في كل حال.
الخطوات
والأساليب العملية لترسيخ عقيدة المراقبة:
1- البداية من الصغر: وذلك بتحويل التوجيه التربوي للأطفال
من قول: «لا تفعل هذا حتى لا يراك الناس ويعيبونك»، أو «حتى لا يراك الشرطي
فيعاقبك»، إلى قول: «اعلم أن الله رقيب سميع بصير يراك دائمًا ومطلع على كل
أفعالك، وأنه -سبحانه- يحب أن يراك دائمًا على طاعة، ويكره أن يراك على معصية». مع
ربط سلوك الطفل وأفعاله اليومية بأسماء الله الحسنى (الرقيب، الشهيد، العليم)،
وتدريبه على استحضارها قبل كل فعل.
2- إحياء عبادات السر: تعويد النفس ومن نرعاهم على طاعات لا
يعلم بها أحد إلا الله؛ كصدقة السر، وقيام الليل، والدعاء بظهر الغيب. فإن عبادة
السر هي الترياق الأقوى لمعالجة ظاهرة «مراعاة الخلق دون الخالق»، وقد قال النبي ﷺ إن المنجيات:
«خَشْيَةُ اللهِ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ» [رواه الطبراني].
3- تطوير الخطاب الدعوي والإعلامي: التركيز في المواعظ
والدروس والبرامج الإعلامية على بناء «الضمير الإيماني» و«الرقابة الذاتية»، وتجنب
الاقتصار على الخطاب الترهيبي الدنيوي أو النفعي المحض.
4- إبراز شرف الحياء من الله: وذلك ببيان خطورة النفاق
السلوكي الذي وصفه الله بقوله: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ
مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾
[سورة النساء: 108].
وقد
ورد في «جامع العلوم والحكم» أن الله -تعالى- أوحى إلى نبي من الأنبياء: «قل
لقومك: ما بالكم تسترون الذنوب من خلقي وتظهرونها لي؟! إن كنتم ترون أني لا أراكم
فأنتم مشركون بي، وإن كنتم ترون أني أراكم، فلم تجعلوني أهون الناظرين إليكم؟!».
5- تفعيل دور القدوة الحية: يجب أن يرى الأبناء والمرؤوسون
والرعية نماذج من الكبار والمستأمَنين يتورعون عن الشبهات والمال الحرام والتقصير
في العمل، وعن كل نقيصة؛ ليس خوفًا من التفتيش أو الكاميرات، بل تدينًا وخوفًا من
موقف الحساب بين يدي الله.
التوازن
بين الوازعين الدنيوي والإيماني
إن
الشريعة الإسلامية لم تلغِ الوازع الدنيوي (القوانين، العقوبات، أدوات الإثبات
كالتوثيق والكاميرات)، بل جعلته عضدًا للوازع الإيماني وسياجًا يحمي المجتمع. وقد
روي أن الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: «إنَّ اللهَ لَيَزَعُ
بالسُّلْطانِ ما لا يَزَعُ بالقُرْآنِ»، فالقرآن يربّي القلوب، والسلطة تقيم العدل
وتكبح جموح من ضعُف إيمانه أو ملكته شهواته.
ونوازن
بينهما عمليًّا عن طريق:
1- فهم التكامل بين الوازعين: الوازع الإيماني هو الأصل
والأساس، يبني الإنسان من الداخل، ويصنع الأمانة والمراقبة عند غياب الأعين، وهو
الكفيل بصلاح السريرة واستقامة الفرد. والوازع الدنيوي هو الوسيلة التنفيذية
والأداة الضابطة للظاهر، تحمي حقوق المستضعفين، وتمنع المجرمين من التعدي على
النظام العام، وتوفر الأدلة الدامغة لإقامة العدل ومنع الظلم.
فلا
تعارض بينهما إذا وُضع كلٌّ في موضعه؛ فالكاميرا لا تلغي الإيمان، بل تلجم بذور
الشر في النفس الأمارة بالسوء التي لم ترتدع بالوازع الإيماني.
2- ترشيد استخدام التصوير: يجب العناية بالفصل بين التوثيق
لإثبات الحق، وبين التشهير والفضيحة. فالأصل الشرعي هو الستر، وقد قال النبي ﷺ: «وَمَنْ سَتَرَ
مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» [رواه مسلم].
ويكون
التوثيق بكاميرات الهواتف محمودًا ومأجورًا إذا كان بقصد منع جريمة قائمة، أو حفظ
حق ضائع، أو تقديم إثبات للجهات المختصة لإقامة العدل، بشرط ألا تُنشر المقاطع على
العامة بهدف التشهير وجلب المتابعات واقتراف إثم الهتك.
3- تأصيل العقيدة أثناء التطبيق: حين نضع كاميرات المراقبة
أو نطبق القوانين الصارمة، يجب ألا نغفل عن تذكير الناس بأن هذه الكاميرات إنما هي
أجهزة صنعها البشر وهي قاصرة؛ ترصد مكانًا وتغفل عن آخر، وتصور الظاهر ولا تعلم
النيات. أما رقابة الخالق عز وجل فمحيطة شاملة: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ
وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [سورة غافر: 19].
4- تعزيز قيمة الأمانة في المؤسسات: على مستوى المؤسسات
والشركات، يجب ألا يقتصر انضباط الموظفين على وجود كاميرات المراقبة وتقارير
الحضور والانصراف، بل يُصاحب ذلك تعزيز قيمة الأمانة في النفوس، وتقدير الموظف
الأمين وترقيته ومكافأته بناءً على خلقه وأمانته.
5- التوثيق دون النشر: من المهم إشاعة ثقافة التوثيق
بالتصوير للأهداف التي ذكرتها سابقًا، دون نشر ذلك لعموم الناس، للتوفيق بين ردع
المجرم دنيويًّا وعدم تلوث الحياء العام ونشر الفاحشة بين المؤمنين.
وختامًا
أخي الكريم، إن ظاهرة التوثيق وتقنيات المراقبة الحديثة هي سيف ذو حدين؛ يمكن أن
تكون نعمةً في يد العدالة وأصحاب الحقوق، وتغدو نقمةً إذا تحولت إلى بديل عن
الضمير الإيماني أو أداة للتشهير وتتبع العورات.
والواجب
علينا كأفراد ومربين ودعاة ألا ننكر فائدة الوازع الدنيوي وأدواته الحديثة، بل
نحتوي تلك الأدوات ونوظفها بحكمة، مع يقيننا الراسخ بأن العامل الأول في استقامة
المجتمعات وسعادتها إنما هو حراسة القلوب بعقيدة المراقبة الإلهية.
أسأل
الله العلي القدير أن يعمر قلوبنا بمهابته وخشيته في الغيب والشهادة، وأن يرزقنا
مقام الإحسان في أعمالنا كلها. اللهم اجعلنا نخشاك كأننا نراك، وأسعدنا بتقواك،
ولا تجعلنا ممن يستخفون من الناس ولا يستخفون منك. اللهم احفظ مجتمعاتنا وأبناءنا
بحفظك، واهدنا لأحسن الأخلاق والأعمال لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنا سيئها
لا يصرف عنا سيئها إلا أنت، وصلِّ اللهم وسلِّم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله
وصحبه وسلم.
روابط
ذات صلة:
المراقبة في الإصلاح الاجتماعي في الفكر الإسلامي.. ما دورها؟