كيف نفهم شخصية السفاح أمجد يوسف؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. مصطفى عاشور
  • القسم : قضايا إنسانية
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 54
  • رقم الاستشارة : 4698
28/04/2026

بمناسبة القبض على سفاح مجزرة التضامن في سوريا أمجد يوسف والتي ضحيتها 288 بريئا.. فما هو تفسير الفلسفة لشخصية السفاح أمجد الذي قتل كل هذا العدد في عملية واحدة دون أن يشعر بوخز الضمير؟

الإجابة 28/04/2026

أخي الكريم، تم إلقاء القبض على "أمجد يوسف" سفاح مذبحة التضامن، التي وقعت في دمشق في 16 أبريل 2013، وقتل فيها أكثر من (288) مدنيًّا ما بين سوري وفلسطيني، وتم القاؤهم جميعًا في حفرة وإشعال النار في جثثهم ثم دفنها.

 

وما بين تلك الفاجعة وما بين القبض على السفاح "أمجد" (13) عامًا كاملة، ولا شك أن وضع فيديوهات المذبحة وفيديوهات القبض عليه يكشف أننا أمام سفاح من طراز مرعب؛ فقبل القبض عليه ظهر في عدة فيديوهات ولا يبدو عليه أثر الندم أو وخز الضمير؛ بل كان يعتقد أن المئات من الأرواح التي أزهقها والأعراض التي انتهكها كانت فعلاً وطنيًّا وعملاً شجاعًا.

 

وربما هذا يدفعنا إلى فتح صندوق تلك الشخصية المرعبة، التي ظهرت مثيلات لها مرات كثيرة في التاريخ في ظل الأنظمة الدموية والديكتاتورية، وستتكرر؛ لأننا أمام سفاح من نسيج مختلف أسمته الفيلسوفة الألمانية اليهودية "حنا أرندت" بـ"القاتل المكتبي"، ذلك القاتل الذي اتخذ من القتل مهنة رسمية لها ضوابطها، ويتملكه شعور بأنه يؤدي وظيفة، وطبيعة هذه الوظيفة هي القتل والتصفية والتعذيب وانتهاك الأعراض.

 

كيف يتحول الإنسان إلى وحش؟

 

كان السؤال الذي شغل "أرندت" عندما سعت لفهم شخصية "أدولف أيخمان" ذلك النازي أحد ضباط قوات العاصفة الألمانية المرعبة، الذي كان لها دور في المحارق التي تعرض لها اليهود إبان الحرب العالمية الثانية، فيما عرف بـ"الحل الأخير"، وهي سياسة اتبعها النازيون منذ يوليو 1941م للتخلص من اليهود نهائيًّا، وكان "أيخمان" أحد المسؤولين عن التنفيذ، وبعد هزيمة ألمانيا هرب إلى الأرجنتين وظل متخفيًا فيها حتى تم إلقاء القبض عليه عام 1960 ونقله إلى الكيان الصهيوني، فتم محاكمته وإعدامه وإحراق جثته عام 1962.

 

ما يعنينا في قصة "أيخمان" أن "أرندت" سعت لفهم تلك الشخصية القاتلة المرعبة، خاصة وأن "أيخمان" كان ثابتًا أثناء محاكمته ويردد أنه كان يؤدي وظيفته المحددة، وأصدرت "أرندت" عام 1963م كتابها "أيخمان في القدس: تقرير حول تفاهة الشر"، قامت فيه بتفكيك تلك الشخصية، وخلصت أننا أمام أكثر القتلة رعبًا في التاريخ وأسمته "القاتل المكتبي"، وذلك أن القتل تحول إلى وظيفة وعمل مكتبي يمارسه الشخص وفق قواعد وظيفية محددة، لا يمكنه أن يقصر فيها، وأن هذا القاتل لا يشعر بأي تأنيب للضمير، بل يشعر براحة أكثر إذا أدى وظيفته على أتم وجه، مهما كان بشاعة ما يقوم به.

 

المهم تحدثت "أرندت" عن "ابتذال الشر"، وقالت إن الشر الذي مارسه "أيخمان" هو أبشع أنواع الشر وأسمته "القاتل المكتبي"، وأن هذا النوع من الشر تغلغل في الأنظمة الشمولية وفي عقول الناس، ونشير هنا إلى ثلاث ملاحظات صنعت ذلك القاتل المرعب:

 

التمييز بين حياة بعض الناس وحياة آخرين، وعنده تتحول حياة بعض الأشخاص، وقد يكونون بالآلاف، إلى حياة غير ذات أهمية، وأن التخلص من هؤلاء قد يكون شيئًا مفيدًا ورائعًا؛ وهنا يتحول هذا النوع من القتل، في تصور القاتل، إلى حلٍ لمشكلة قائمة، لذا يمارسه بإتقان وتفنن ووفق قواعد محددة وبلا أي تأنيب للضمير.

 

* تحول القتل إلى وظيفة: ففي مثل هذه الحالات قد لا يكون دافع القتل أيديولوجيًّا أو عنصريًّا، ولكن يتحول القتل إلى وسيلة للارتقاء المهني والوظيفي، فالقتل تحول إلى عمل بيروقراطي، يمارسه هذا "القاتل المكتبي" ثم يعود إلى بيته بعد انتهاء يوم عمله، ليمارس حياته الطبيعية.

 

ورأت "أرندت" أن ذلك هو المعضلة الكبرى، فهذا القاتل المرعب هو شخص تافه للغاية وسطحي للغاية، وهذه التفاهة لا تحرضه على التفكير في تلك الأعمال الوحشية المرعبة، وهؤلاء القتلة هم الأكثر دموية، وهذا القاتل هو ترس في آلة قتل كبيرة تمثلها الأنظمة الشمولية الديكتاتورية.

 

* اختلال المعايير للتمييز بين الخير والشر: هذا القاتل المكتبي التافه لا يستطيع ولا يميز ويعاني من اختلال في المعايير لتحديد الخير والشر، ولذا يتحول أفظع أنواع الشر وهو القتل في منظومته المعيارية المختلة، إلى واجب وظيفي من الضروري تنفيذه، ولا يشعر بأنه مذنب في ممارسته للقتل البشع، وهذا يؤشر على الانعدام الكلي للمعايير الأخلاقية والإنسانية.

 

وختامًا أخي الكريم، هذا الموضوع متسع، ويحتاج إلى جهد معرفي وفلسفي لفهم هؤلاء القتلة المرعبين، وكيف أنهم يملؤون الأرض بدماء الأبرياء، وهم يظنون أنهم لم يفعلوا إلا واجبهم الوظيفي.

 

موضوعات ذات صلة:

أمجد يوسف.. ذاكرة الدم

حين يُدفن إنسان بهذه الطريقة.. مَن الذي مات فينا؟

الرابط المختصر :