الإستشارة - المستشار : أ. فتحي عبد الستار
- القسم : وساوس وشكوك
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
13 - رقم الاستشارة : 6077
10/10/2026
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أنا شاب عمري 28 سنة، أعمل في مجال تقنية المعلومات، والحمد لله محافظ على صلواتي وفرائضي. منذ نحو سنة، بدأت تستهويني متابعة الحسابات والقنوات التي ينشر فيها الملحدون واللا دينيون أفكارهم على منصات التواصل الاجتماعي.
بدأت القصة معي بدافع الفضول، والرغبة في فهم طريقة تفكير هؤلاء وكيف ينظرون إلى الكون والحياة. ومع الوقت، أصبحت أقنع نفسي بأن هذه المتابعة تفيدني في تعميق إيماني؛ فكنت كلما قرأت شبهة وليس عندي ردها أذهب فورًا للبحث عن ردها عند العلماء والمفكرين المسلمين، وعندما أجد الرد الشافي أشعر بالطمأنينة والانتصار الداخلي وأن إيماني يزداد قوة وثباتًا.
لكن المشكلة هي أن أغلب هذه الحسابات لا تكتفي بطرح التساؤلات العقلية، بل يمتلئ طرحهم بالتهجم والغمز واللمز، والحديث بأسلوب مليء بالاستهزاء وقلة الأدب والتجاوز الصريح في حق الله جل جلاله وفي حق النبي صلى الله عليه وسلم. ولهذا السبب أخشى أن أكون آثمًا باستماعي ومشاهدتي لهذا المحتوى.
فهل ما أفعله يُعدّ حرامًا حتى لو كانت نيتي هي الفضول والبحث عن الردود وتعميق الإيمان؟
وكيف أتخلص من الأثر النفسي الذي تتركه الإساءات التي في هذا المحتوى؟
وعليكم
السلام ورحمة الله وبركاته، ومرحبًا بك يا ولدي، وأشكرك على ثقتك بنا وتواصلك
معنا، وأسأل الله أن يشرح صدرك، وينير قلبك، ويثبِّتك بالقول الثابت في الحياة
الدنيا وفي الآخرة، وأن يزيدك حرصًا على دينك وغيرة على حرمات ربك، وبعد...
فمن
علامات الإيمان أن يتأذى المرء من سماع الإساءة إلى الله ورسوله، وأن يخشى على
نفسه الإثم. ودعنا أولًا نناقش شرعية ما تقوم به، ثم نحدد التصرف السليم الذي
ينبغي القيام به.
حكم
متابعة الملحدين وحساباتهم
الأصل
يا ولدي أن دراسة الشبهات للرد عليها أمر مشروع؛ بل قد يكون واجبًا على المتخصصين
من أهل العلم. فقد عرض القرآن شبهات المشركين والملحدين وردَّ عليها، كقوله تعالى:
﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور: 35]، وقوله:
﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا
يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: 24]. وألّف العلماء كتبًا في الرد على
الملاحدة والفرق الضالة، وهذا يقتضي أنهم اطلعوا على كلام المخالفين.
لكن
الاطلاع على الشبهة من مصدرها المليء بالسب والاستهزاء أمر آخر؛ ففرق كبير بين أن
تقرأ الشبهة مجرَّدةً منقولةً في كتاب علمي رصين، وبين أن تتابع حسابًا يستهزئ
بالله ورسوله ويجعل ذلك منهجه.
وقد نهى الله عز وجل عن
مجالسة المستهزئين، فقال: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا
سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا
مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾
[النساء: 140]. وقال: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا
فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنعام: 68]. وقد ذكر جمهور المفسرين أن القعود مع المستهزئين وهم يخوضون دون إنكار
ولا مفارقة محرَّم، وأن الراضي بالمنكر شريك في الإثم. وأهل العلم يُلحقون
بالمجالسة الحقيقية المتابعة الاختيارية لمن هذا شأنه، وكذلك رفع نسب المشاهدة
والتفاعل التي تنشر هذا المحتوى وتُسهم في رواجه، وقد يكون هذا من الإعانة غير
المباشرة على الباطل.
واعلم
يا بني أن النية الحسنة لا تُحلُّ الحرام؛ إذ يقول النبي ﷺ: «إنما الأعمالُ
بالنيات» [متفق عليه]؛ لكن النية لا تقلب المحرَّم مباحًا. وروي عن ابن مسعود رضي
الله عنه في قصة الذين اجتمعوا للذِّكر على هيئة مبتدَعة: «وكم من مريدٍ للخير لن
يُصيبه»، فقد يكون القصد حسنًا والوسيلة غير مشروعة أو مفضية إلى مفسدة.
إذن،
متابعة هذه الحسابات متابعة مستمرة اختيارية، وسماع السب والاستهزاء بالله ورسوله
فيها، غير جائز، ولا يرفع الحرمة كون النية حسنة؛ لا سيما مع وجود البدائل.
وعليك التوبة منها وتركها.
أما
دراسة الشبهات بقدر الحاجة، من مصادر علمية موثوقة تعرضها بأدب ثم
ترد عليها، أو عبر باحثين مختصين، فهو جائز؛ بل محمود لمن كان عنده أهلية وحاجة.
ومن
اضطر إلى سماع شيء من ذلك لعمل أو دراسة تخصصية، فله بقدر الحاجة، مع إنكار القلب
والإعراض عن مواضع الاستهزاء.
الشعور
بالانتصار قد يكون خادعًا
ما
وصفته من «انتصار داخلي» حين تجد الرد، هو أمرٌ طيب في ظاهره؛ لكن انتبه إلى أنك
تُعرّض نفسك دائمًا لسيل من الشبهات المصمَّمة لتكون جذابة ومؤثرة، ثم تبحث عن
الدواء. ومع الوقت قد تتحول العلاقة إلى إدمان على دورة التوتر والارتياح، وقد لا
تنجو من شبهة تعلَق بقلبك دون أن تنتبه؛ فالقلب ضعيف أمام الشبهات، وقد قال النبي
ﷺ: «تُعرَضُ الفتنُ على القلوبِ كالحصيرِ عُودًا عُودًا، فأيُّ قلبٍ أُشرِبَها
نُكِتَ فيه نُكتةٌ سوداءُ، وأيُّ قلبٍ أنكرها نُكِتَ فيه نُكتةٌ بيضاءُ» [رواه
مسلم]. فانظر إلى لفظ «أُشرِبَها»؛ أي تشرَّبها القلب كما يتشرَّب الإسفنج الماء.
والشبهة قد تعلَق بالقلب وإن لم يقتنع بها العقل.
وقد
روي عن بعض السلف تحذيرهم الشديد من مجالسة أهل الأهواء ومن سماع كلامهم؛ وقال
أحدهم: «لا تجالسوا أهل الأهواء، فإني لا آمن أن يغمسوكم في ضلالتهم، أو يلبِّسوا
عليكم بعض ما تعرفون».
ويروى
عن الإمام أبي حامد الغزالي -رحمه الله- أنه كان يخوض في كتب الفرق والمذاهب وهو
راسخ العلم، ثم ذكر في «المنقذ من الضلال» أنه مرَّ بأزمة شك عظيمة كادت تعصف به،
ولم يخرج منها بقوة الاستدلال وحدها؛ بل بـ«نورٍ قذفه الله في صدره». فحتى العلماء
الكبار لم يسلموا من أثر ذلك، فكيف بمن لم يتأسس تأسيسًا كافيًا؟
الفرق
بين الفضول والحاجة
اسأل
نفسك قبل أن تخوض في هذه الشبهات: «هل عندي شبهة حقيقية تؤرقني فأبحث عن جوابها؟
أم أني أبحث عن الشبهات بنفسي لأردَّ عليها؟» فالأول مشروع، والثاني مغامرة غير
مأمونة. وقد قال النبي ﷺ: «من سمع بالدجَّال فلينأَ عنه، فواللهِ إنَّ الرجلَ
لَيأتيه وهو يحسَبُ أنه مؤمنٌ فيتَّبعُه مما يبعثُ به من الشبهاتِ» [رواه أبو
داود]. فتأمل: يأتيه وهو يحسب نفسه مؤمنًا واثقًا، فتخدعه الشبهات!
كيف
تتخلص من الأثر النفسي؟
1-
أوقف مصدر الأذى أولًا: لا تعالج جُرحك وأنت تضع يدك على السكين!
فالخطوة الأولى قطع المتابعة وحظر هذه الحسابات، واستخدام خاصية
«غير مهتم»، حتى لا تظهر لك مقترحات مشابهة. فخوارزميات المنصات ستستمر في دفع هذا
المحتوى إليك ما دمت تشاهده وتتفاعل معه.
2-
التوبة والاستغفار: استغفر الله -تعالى- كثيرًا، وقل بنية
صادقة: «اللهم إني أتوب إليك مما فرَّطت». يقول تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ
جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: 31]. وقال
النبي ﷺ: «التائبُ من الذنبِ كمن لا ذنبَ له» [رواه ابن ماجة]. فالتوبة تمحو أثر
الذنب وتجلب السكينة.
3-
تعظيم الله ورسوله في قلبك: الألم الذي تشعر به حين تسمع الإساءة هو
غيرة إيمانية تستحق الحفاظ عليها؛ لا قتلها بالتعوُّد. فقد قال تعالى: ﴿وَمَنْ
يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [الحج: 30]. وخطر
الاعتياد أن يتبلَّد القلب ويصبح سماع الإساءة أمرًا عاديًّا.
ومما
يُرمِّم القلب أن تُكثر من الصلاة والسلام على النبي ﷺ، وأن تقرأ سيرته قراءة
تأمل، فإن من عرف النبي ﷺ معرفةً حقيقية لم تهزُّه سهام السفهاء. وقد قال تعالى:
﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر: 95]، وقال: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ
أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ
مِنَ السَّاجِدِينَ﴾ [الحجر: 97 و98]. فهذا هو العلاج الرباني لضيق الصدر من أذى
المستهزئين: التسبيح والسجود.
4-
الذكر وتلاوة القرآن: حافظ على أذكار الصباح والمساء، وأذكار
الأحوال، والأذكار المطلقة، ففيها حفظ وسكينة. ودُم على ورد يومي من القرآن مع التدبر، ولو
صفحة واحدة. واستعذ عند ورود الخواطر، كما نصح النبي ﷺ من وجد في نفسه وساوس في
الله: «فليستعذ بالله ولينتهِ» [متفق عليه]. أي لا تسترسل في الخاطر ولا تجادل
نفسك ولا غيرك فيه طويلًا.
5-
إشغال الوقت بالنافع: إن الفراغ يفتح باب الفضول، فاستبدل
بساعات التصفح نشاطًا مفيدًا يملأ وقتك، مثل ممارسة الرياضة أو هواية مفيدة، أو
القراءة، أو أي عمل صالح.
6-
سؤال العلماء: أثر الإساءات على النفس لا يُعالج بالكتمان. فاجلس مع
عالم أو داعية متخصص أو صديق صالح، وصارحه بما في نفسك. فحديثك عن أثرها يخففها.
وإن رأيت أن الأمر يتجاوز مجرد الضيق إلى قلق مستمر أو وساوس، فلا حرج في استشارة
مختص نفسي، فالاستشفاء من كل الأمراض مأمور به، قال ﷺ: «تداووا عباد الله فإن الله
لم يضع داءً إلا وضع له دواءً» [رواه أبو داود].
بدائل
طيبة تشبع فضولك المعرفي
يمكنك
أن تلبي رغبتك في فهم الفكر الإلحادي وتقوية إيمانك بطرق أسلم، منها:
1-
التأسيس العقدي المنهجي: ادرس
كتب العقيدة السليمة، التي تؤصِّل الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم
الآخر والقدر خيره وشره.
2-
الاطلاع على الشبهات من كتب الرد لا من منصات السب: إذا أردت معرفة
الشبهات فمؤلفات الردود العلمية تعرض الشبهة بأمانة ثم تُفنَّد الإشكال بأدب
ودليل، فتحصل على الفائدة دون أذى.
3-
التدرج: ابدأ بأصول الاستدلال على وجود الله، ثم
النبوة، ثم الوحي، ثم الشبهات التفصيلية. فمن بنى الأساس أولًا صعب على الشبهات أن
تهدمه.
4-
تحويل الاهتمام إلى الدعوة: إن كنتَ ترى في نفسك ميلًا للجدل الفكري
فاجعله في طلب العلم الشرعي المتخصص، لتكون يومًا ممن يردُّون على الشبهات بعلم
وأدب، فهذا من أعظم الجهاد، قال تعالى: ﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾
[الفرقان: 52]، أي بالقرآن.
وختامًا
يا بني، ضع لنفسك قاعدة، وهي: «لا أقرأ شبهة إلا إذا جاءتني من سائل أحتاج
إلى مساعدته، أو صادفتني فعلًا وأقلقتني، وأقرؤها من مصدر علمي محترم، بحضور مرجع
أستشيره».
واعلم
أن إيمانك ليس بحاجة إلى اختبار يومي بالشبهات ليثبت، فقد قال الله تعالى:
﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ
الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: 27]. فالثبات منَّة من الله، فاطلبه منه
بصدق، وخذ بأسبابه.
أسأل
الله أن يطهِّر قلبك، ويحفظ عليك دينك، ويجعلك من الثابتين الراسخين، ويرزقك العلم
النافع والعمل الصالح. اللهم يا مقلِّب القلوب ثبِّت قلوبنا على دينك، اللهم أرنا
الحق حقًّا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه. وصلِّ اللهم
وسلِّم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
روابط
ذات صلة:
مهارات الحوار الدعوي مع "اللادينيين" والملحدين العرب
الوسيلة المثلى للتعامل مع المستهزئين بالإسلام على «فيسبوك»
ابنها متأثر بأفكار الملحدين.. من الصراخ إلى الاحتواء والحوار