كيف يداوي المؤثر الرقمي قلبه من العجب والرياء؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : د. عادل عبد الله هندي
  • القسم : مناهج الدعوة ووسائلها
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 52
  • رقم الاستشارة : 5638
19/08/2026

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

أنا شاب في مقتبل العمر، منّ الله عليّ بمهارات خطابية وقبول بين أقراني، فأنشأت حسابات على منصات التواصل الاجتماعي لعرض مقاطع قصيرة تتناول ومضات إيمانية وتوجيهات تربوية. بفضل الله، نالت المقاطع انتشارًا واسعًا، وارتفع عدد المتابعين إلى مئات الآلاف في وقت قصير، وبدأت تنهال عليّ عبارات الثناء والمديح في التعليقات والرسائل الخاصة.

هنا بدأت المشكلة التي تؤرق مضجعي وتكاد تعصف بصلاتي ونيتي؛ إذ تسلل إلى قلبي شعور خفي بالعجب والرياء، وأصبحت أترقب أعداد المشاهدات والإعجاب بشغف، بل ووجدت نفسي أحيانًا أتكلف في مظهر العبادة أو أختار الكلمات الجزلة لانتزاع ثناء الناس وإعجابهم، ودخلت في شراك "الاستعراض الرقمي".

بتّ أخشى على نفسي من حب الشهرة وهلاك ديني، ففكرت مرارًا في إغلاق الحسابات واعتزال هذا الميدان بالكلية، لكنني أخشى أن يكون ذلك هروبًا من الثغر وتثبيطًا من الشيطان.. كيف أستطيع كمؤثر رقمي شاب أن أداوي قلبي من أدواء العجب والرياء في عصر "الصورة والانتشار"، وما هي المعالم التطبيقية لمسالك التابعين الأوائل في الموازنة بين نشر العلم والدعوة وبين المحافظة الصارمة على خبيئة العمل وإخلاص النية لله تعالى دون اعتزال الميدان؟

الإجابة 19/08/2026

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وأهلاً ومرحبًا بك أيها الابن العزيز والداعية اللبيب. هنيئًا لك هذا الصدق والوجل الإيماني المشرق؛ فإن خوف المرء على دينه وتفقده لسرائر قلبه هو عتبة الإخلاص الأولى وأمارة التوفيق والسداد بإذن الله تبارك وتعالى.

 

إن ما تعرضت له هو أحد أعظم التحديات التربوية والدعوية في واقعنا الرقمي المعاصر، حيث تحولت الشهرة من أمر يطلب جهدًا شاقًا إلى مسألة بضع نقرات، مما يعرض النفوس لفتنة المديح والوقوع في شرك العجب والرياء الذي حذر منه المصطفى وسماه الشرك الخفي. والحل لمواجهة هذا المرض القلبي المعاصر لا يكمن في الانسحاب وإخلاء الساحة، بل في إعادة صياغة المنهج النفسي والتربوي للداعية الرقمي من خلال استلهام هدي التابعين الأوائل الذين واجهوا اتساع الدنيا وإقبال الناس عليهم بذات التخوف والوجل والتحصين.

 

إن أول خطوة عملية في هذا السبيل هي تفكيك وهم "الاستعراض" والحلول محله بـ "عبودية البلاغ"، بحيث تنظر إلى المتابعين والأرقام لا بوصفها دليلاً على أفضليتك أو تميزك الذاتي، بل باعتبارها أمانة ثقيلة ومسؤولية عظمى بين يدي الله تعالى، ومجرد قنوات لتمرير الرسالة لا لصناعة الهالة حول ذاتك.

 

أما الخطوة الثانية فهي بناء "حصن الخبايا والسرائر"، فلا بد للداعية الذي يظهر للناس في العلن أن يكون له في المقابل جبل أشم من طاعات الخفاء التي لا يعلم بها إلا الله؛ ليكون ظاهره المشهود مدعومًا بباطنه المستور. خذ في ذلك قدوة من إمام التابعين الحسن البصري ومحمد بن واسع وغيرهما، حيث كانوا يفرون من مجالس الشهرة فرارهم من الأسد، وكان أحدهم يوضع وسادته ليموت ولا يعلم جاره بكاءه في الليل.

 

خصص لنفسك عبادات خفية كركعات في جوف الليل، أو صدقة سر، أو استغفار طويل لا يطّلع عليه أحد، لتكون هذه الخبايا بمثابة التوازن النفسي والروحي الذي يطفئ لهيب الشهرة الرقمية.

 

والخطوة الثالثة هي تدريب النفس على سماع النقد وقبول النصيحة بامتنان، ومجاهدة الرغبة الداخلية في رؤية الثناء، مع المداومة على الدعاء النبوي الجامع الذي يحمي حصن النية: "اللهم إنا نعوذ بك من أن نشرك بك شيئًا نعلمه، ونستغفرك لما لا نعلمه". وبذلك تنطلق في ثغرك الدعوي بقدم راسخة وبصيرة نافذة، جاعلاً من المنصات وسيلة لمرضاة الله لا معبراً لتعظيم الذات.

 

وختامًا:

 

• لا تقرأ التعليقات التي تحتوي على مديح مفرط لشخصك، وركز فقط على التعليقات التي تطرح أسئلة علمية أو تطلب توجيهًا تربويًّا.

 

• تعمد بين الحين والآخر الخروج في أعمال تطوعية خدمية بسيطة لا تصوير فيها ولا شهرة (كتوزيع الصدقات أو تنظيف المساجد) لترغيم النفس وتربيتها على التواضع.

 

• اجعل لنفسك مرشدًا تربويًّا أو شيخًا ناصحًا تبثه خطرات نفسك وتستشيره في مسيرتك الدعوية ليقوم اعوجاجك.

 

• إذا شعرت بطغيان حب الظهور في مقطع معين، فأرْجئ نشره أو احذفه تماماً عقوبة للنفس وزجراً لها عن الهوى.

 

اللهم طهر قلوبنا من النفاق، وأعمالنا من الرياء، وألسنتنا من الكذب، وأعيننا من الخيانة. اللهم احفظ ولدنا الشاب، وسدد خطاه، واجعل علمه نافعًا خالصًا لوجهك الكريم، وعصمه من فتن الشهرة وعجب النفس، واجعل توفيقه معقوداً بطاعتك وإخلاصك يا أكرم الأكرمين.

 

روابط ذات صلة:

كيف يعالج الداعية هاجس الرياء وحب الظهور؟

للتحرر من الكبر وحب الظهور.. هل العلاج في العزلة؟!

التعليقات

الرابط المختصر :