الإستشارة - المستشار : د. عادل عبد الله هندي
- القسم : الدعوة في المهجر
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
21 - رقم الاستشارة : 6187
23/10/2026
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا أب لمجموعة من الأبناء المراهقين أعيش مع عائلتي في دولة أوروبية منذ سنوات طويلة، وأواجه رفقة زوجتي همًّا كبيرًا وتحديًا يوميًّا يتمثل في مدى قدرتنا على حماية هوية أطفالنا الإسلامية وثقافتهم الدينية في ظل بيئة غربية منفتحة تعج بالثقافات المختلفة والمغريات المادية والشبهات الفكرية والأخلاقية التي تخالف ثوابت ديننا العظيم.
ونلاحظ تدريجيًّا تأثر أبنائنا ببعض السلوكيات والمفاهيم السائدة هناك، وابتعادهم شيئًا فشيئًا عن الالتزام بالفرائض كالصلاة والتمسك بالآداب الإسلامية، وحين نحاول نصحهم أو توجيههم يصطدمون بنا بحجة اختلاف الثقافات وصعوبة التكيف مع مجتمعهم إذا تمسكنا بتفاصيل هويتنا الدينية، فضلاً عن غياب الحاضنة الإسلامية القوية والمحيط الاجتماعي الداعم الذي يعيننا على تربيتهم.
وأشعر أحيانًا بحيرة بالغة بين الخوف من ذوبانهم في هذا المجتمع وفقدانهم لدينهم، وبين الخوف من انغلاقهم الكامل وتحولهم إلى منبوذين اجتماعيًّا يفتقرون لمهارات التواصل مع محيطهم، فكيف يمكنني كأب مسلم في المهجر أن أواجه هذا التحدي الخطير بطريقة دعوية وتربوية واعية ومدركة لواقع العصر، تجمع بين الحفاظ على الثوابت والتعامل الحكيم مع معطيات الواقع دون إفراط أو تفريط؟
وعليكم السلام
ورحمة الله وبركاته، أخي الكريم، حياك الله، وبارك في حرصك على تربية أبنائك،
ونسأل الله أن يبرز في ذريتك الصلاح والتقى وأن يردهم إلى دينه ردًّا جميلاً.
إن ما تعيشه هو
واقع ملحّ يعاني منه آلاف المسلمين المغتربين ممن يحملون همّ الحفاظ على أمانة
الدين والأهل في بيئات تختلف جذريًّا عن بيئتنا الإسلامية، وإن الشريعة الإسلامية
الغراء لم تترك المسلم ضائعًا في مثل هذه الظروف، بل وضعت له الأصول المَتينة
والقواعد الرصينة للتعامل مع المخالفين والمجتمعات الأخرى مع حفظ الهوية والاعتزاز
بها، قال الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ
يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ
عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ
أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا﴾ (الكهف: 28)، فهذه الآية الكريمة توضح بجلاء
أهمية الصحبة الصالحة والاعتزاز بالمنهج الإلهي وعدم الانجراف خلف زينة الحياة
الدنيا الزائفة.
خطة الحفاظ على هوية الأبناء في المهجر
ويمكننا وضع خطة
دعوية وتربوية متكاملة وميدانية لمواجهة هذا التحدي في المهجر ترتكز على محاور
أساسية دقيقة:
أولاً، التأصيل
التربوي لمفهوم الهوية الإسلامية وغرس الاعتزاز بها: ينبغي عليك أخي الكريم أن تبث
في نفوس أبنائك مبدأ الفخر والاعتزاز بالانتساب إلى الإسلام لا باعتباره مجرد طقوس
تقليدية موروثة، بل بوصفه منهج حياة متكاملاً يمنح الإجابات الشافية عن الأسئلة
الكبرى للوجود والغاية من الحياة، مع ضرورة تربيتهم على الوسطية والاعتدال بعيدًا
عن الغلو أو الانفلات؛ فالإسلام جاء ليعمر الأرض ويحقق مقاصد الاستخلاف البشري،
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ
وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ
اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (الحجرات: 13)، وهذا البيان
الإلهي يعلمنا أن الانفتاح على الآخر والتعارف الإنساني لا يتعارض أبدًا مع صلابة
العقيدة ونقاء الهوية.
ثانيًا، الحوار
الهادئ والعقلاني وبناء الجسور الفكرية مع الأبناء: إن لغة الأمر المطلق والنهي
الجاف لم تعد تجدي نفعًا مع جيل النشء المعاصر المتفتح على وسائل الاتصال
والثقافات المتعددة، ولذا وجب تحويل البيت إلى مساحة آمنة للحوار المفتوح والنقاش
العميق، حيث يُطرح الشبه والتساؤلات بصراحة تامة ويُجاب عليها بالحجة والبرهان
والدليل العقلي والشرعي المستنير، تماماً كما كان النبي ﷺ يعامل الشباب
والأصحاب بالحكمة والموعظة الحسنة والاحتواء، فعن أبي أمامة رضي الله عنه قال: إنَّ
شابًّا أتاه النبي ﷺ فقال:
يا رسول الله، ائذن لي بالزنا! فأقبل القوم عليه فزجروه وقالوا: مه مه! فقال: «ادنه»
فدنا منه قريبًا، قال: فَجَلَسَ، قال: «أتحبه لأمك؟» قال: لا والله، جعلني الله
فداك. قال: «ولا الناس يحبونه لأمهاتهم...» (رواه أحمد)، فتأمل كيف استوعب النبي ﷺ الشاب بحكمة
بالغة وحوار هادئ بدلاً من الزجر والنفور، وهو المنهج الأقوم الذي يجب أن يتبعه
الآباء في المهجر مع أبنائهم.
ثالثًا، ربط
الأبناء بالمراكز والمجتمعات الإسلامية والمحيط الداعم: إن العزلة ليست حلاً،
والانخراط المذيب لهوية الأسرة ليس مقبولاً، ولذا لا بد من البحث عن البديل
الإيجابي الفاعل عبر دمج الأبناء في المراكز الإسلامية الحية، والمساجد الناشطة،
والأنشطة الشبابية الهادفة التي تجمع أبناء الجاليات المسلمة على طاعة الله وبرامج
العلم النافع والأنشطة الرياضية والاجتماعية، لكي يشعر الأبناء بأنهم ليسوا وحدهم
في هذا الميدان، بل يمتلكون مجتمعًا بديلاً وحاضنة تربوية دافئة تحمي قيمهم وتعزز
انتماءهم، مع تفعيل دور الأسرة الكبيرة في التواصل المستمر عبر التقنيات الحديثة
بالأهل والوطن الأم لترسيخ الجذور الثقافية والتاريخية في وجدانهم.
رابعًا،
الاستعانة بالتربية بالقدوة والعمل الصالح: إن أبناءنا في المهجر يقرؤون تصرفاتنا
وأخلاقنا قبل أن يسمعوا أقوالنا ومواعظنا، فالداعية المربي أو الأب الناجح هو الذي
يجسد مبادئ الإسلام في أمانته وصدقه واحترامه للقانون وحسن تعامله مع الجيران
والمحيطين بغض النظر عن دياناتهم، ليكون سفيرًا حيًّا لصورة الإسلام المشرقة
والمثل الأعلى للوسطية والفضيلة، فبذلك نلفت انتباههم إلى عظمة هذا الدين العملي
والأخلاقي، متأسين بقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى
اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (فصلت: 33).
وأنصحك أخي
الكريم بالتحلي بصبر أيوب، وأنات بالغة، وعدم اليأس من استقامة أبنائك، فالتوجيه
والتربية في المهجر جهاد طويل تبذر فيه الحب والنصح وتحصد ثماره بإذن الله على
المدى البعيد، واحرص دائماً على الإكثار من الدعاء الخالص لولدك وبناتك بالهداية
والثبات في جوف الليل، تذكراً لقول الله تعالى على لسان عباده الصالحين: ﴿وَالَّذِينَ
يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْواجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ
أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ (الفرقان: 74).
نسأل الله العظيم
أن يحفظ أبناءك من كل سوء، وأن يجعلهم قرة عين لك، وأن يثبتهم على الحق والهدى،
إنه ولي ذلك والقادر عليه.
روابط ذات صلة:
كيف نحفظ الهوية الإسلامية للناشئة في مجتمعات المهجر؟
كيف نصنع الهوية الإسلامية للأجيال الناشئة في بيئات الاغتراب؟