لماذا أصبح الإلهاء الرقمي أزمة إنسانية؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. مصطفى عاشور
  • القسم : قضايا إنسانية
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 261
  • رقم الاستشارة : 3731
01/01/2026

مواقع التواصل الاجتماعي وغيرها من التكنولوجيا الرقمية، رغم أهميتها الكبيرة، ودورها في تسهيل حياة الإنسان، إلا أنها قد تلعب دورًا في الإلهاء وتضييع الوقت واستنزاف الطاقات واضعاف القدرات.. فهل فعلاً الرقمية لها دور في الإلهاء؟

الإجابة 01/01/2026

أخي الكريم، سؤالكم يلمس قضية إنسانية تمس الكثير من البشر على اختلاف مجتمعاتهم وثقافتهم وأعمارهم، وهي اندماج الرقمية في تفاصيل الحياة اليومية، حتى بات الإنسان غير قادر على التخلص من تأثيرها، أو الابتعاد عنها، فأعادت تشكيل الحياة نومًا ويقظة وتفاعلاً وعملاً، بحيث لم يعد يوجد مجال في الحياة إلا وكانت حاضرة فيه.

 

وفي ظل تلك السيطرة المتشعبة والمتنوعة الأذرع، دمجت الرقمية المصلحة باللذة والإلهاء، وتحولت في حد ذاتها إلى متعة وحاجة نفسية تحتاج إلى إشباع، لكن يبقى الإلهاء الرقمي كأزمة إنسانية تحتاج إلى فهم وعلاج، والإلهاء هو صرف انتباه الشخص عن شيء يشغله أو هدف يسعى إليه أو مهمة ينجزها بشيء آخر.

 

مسببات الإلهاء الرقمي

 

في البداية -أخي الكريم- يجب إدراك خاصية رئيسية للوسيط الرقمي، وهي أن التقنيات الرقمية صُممت بطريقة قائمة على الجذب المستمر للانتباه من خلال الإشعارات التي تُرسل باستمرار، ليبقى الشخص دائم الاتصال بالإنترنت ودائم التصفح، وأن يشعر بعبء نفسي إذا لم يلبِّ تلك الإشعارات المتدفقة حتى وإن كان منغمسًا في انشغالاته ومستغرقًا في إنجاز أهدافه ومهامه.

 

هناك مسببات تجعل الرقمية تمارس الإلهاء، منها أن يبقى الشخص في اتصال دائم بالعالم الافتراضي؛ فمواقع التواصل الاجتماعي والبريد الإلكتروني تتنافس في جذب انتباه متابعيها من خلال كثافة الإشعارات التي لا تتوقف، وهذا التدفق المستمر ينشئ شعورًا نفسيًّا بالمتابعة المستمرة، وأنه ستفوته فرص كبير إذا لم يتفاعل مع تلك الإشعارات.

 

في كتابه "ترشيد الرقمية: اختيار حياة مركزة في عالم صاخب" لـ"كال نيوبورت" أستاذ علوم الكمبيوتر في جامعة جورج تاون الأمريكية، ذكر مجموعة من الحقائق، منها أن "البشر ليسوا مُهيئين للبقاء متصلين بالإنترنت باستمرار"، وأن مشكلة الرقمية أنها تسببت في حرمان الإنسان من العزلة، والعزلة أن يقضي الشخص "وقتًا مع أفكاره الخاصة، بعيدًا عن أي تأثير من عقول الآخرين".

 

أما مخاطر الإلهاء الرقمي، فهي أن "الرغبة في تصفح المواقع تتحول إلى ارتعاش عصبي يُحطّم الوقت إلى شظايا صغيرة جدًّا لا تكفي لدعم الحضور الضروري لحياة واعية"، ومعنى هذا أن ذلك الإلهاء طغى على الحياة الخاصة، حتى لم يُبق لها إلا الفتات من الوقت الواعي للتواصل الاجتماعي والأسري.

 

ويقترح "نيوبورت" وسيلة لمقاومة ذلك الإلهاء الرقمي، قائمة على مقارنة التضحيات بالعوائد التي ينتفع بها الشخص من التواصل الطويل والمستمر بالعالم الافتراضي، فيقول: "يتطلب التواصل القائم على الحوار تضحيات، إذا تبنيت هذه الفلسفة، فستقلل على الأرجح عدد الأشخاص الذين تربطك بهم علاقة فعّالة؛ فالحوار الحقيقي يستغرق وقتًا، وسيكون العدد الإجمالي للأشخاص الذين يمكنك الالتزام بهذا المعيار معهم أقل بكثير من العدد الإجمالي للأشخاص الذين يمكنك متابعتهم"؛ ولذلك فهو يرى أن "العزلة الرقمية" تتطلب من الشخص "تجاوز ردود الفعل تجاه المعلومات التي ينشرها الآخرون، والتركيز بدلاً من ذلك على أفكاره وتجاربه الخاصة".

 

عواقب الإلهــــاء الرقمي

 

الإلهاء الرقمي له ضريبته الصحية والنفسية والعقلية والاجتماعية والاقتصادية، وله تأثيره في قدرات الدماغ على التركيز، ومن مخاطره الاجتماعية ما تناولته الممثلة والكاتبة "ويندي سبيك" في كتابها "40 يومًا من الصيام عن التواصل الاجتماعي" تحدثت فيه عن المشتتات والإلهاءات التي تمارسها الرقمية، وتحدثت عن تجربتها في مقاومة التشتت والإلهاء الرقمي، فتقول: "تغيرت الأمور عندما تفوق عليّ هاتفي، بمجرد أن أصبح فيسبوك جزءًا لا يتجزأ من حياتي، تحول إلى بوابة دائمة تنقلني بعيدًا عن عائلتي، حتى لو كنا في نفس الغرفة، لم أكن بالضرورة حاضرة معهم، لم يعد فيسبوك مجرد وسيلة للراحة أثناء القيلولة، بل أصبح ملاذًا طوال اليوم".

 

أما الآثار الاقتصادية لهذا الإلهاء الرقمي، فتتمثل في انخفاض الانتاجية، وهو ما يؤدي إلى خسائر بمليارات الدولارات، وتشير تقديرات إلى أن ذلك الإلهاء يستنزف ما يقرب من 25% من وقت العمل، هو ما أكدته دراسة محكمة نشرت عام 2023م لمعالجة هذا التشتت والإلهاء الرقمي ووصفت تلك الظاهرة بـ"التسكع الرقمي"، وهو يؤدي إلى الأخطاء وزيادة التوتر في بيئة العمل، وذكرت الدراسة أن هذا الإلهاء يؤدي إلى ضياع ما يقرب من (581) من ساعات العمل للفرد سنويًّا، وهو ما يعادل 28% من ساعات العمل، وخسارة أكثر من (34) ألف دولار من الإنتاجية للفرد سنويًّا.

 

موضوعات ذات صلة:

هل التشتت أكبر أمراض العقل المعاصر؟

القلق الرقمي ما هو وكيف نقاومه؟

ما علاقة الرقمية بانتشار روح الحسد؟

هل أثرت الرقمية في أخلاقنا؟

الرابط المختصر :