لماذا ترفض عقولنا التغيير؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. مصطفى عاشور
  • القسم : قضايا إنسانية
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 11
  • رقم الاستشارة : 4815
14/05/2026

لماذا يخاف بعض الناس من التغيير ويقاومه؟ وهل فعلا هناك عقل ترفض التغيير وتصر على التفكير بطريقة نمطية؟

الإجابة 14/05/2026

أخي الكريم، في البداية يجب الاعتراف بأن التغيير سنة كونية وفطرية؛ فالكون قائم على التغيير بين ليل ونهار، وصيف وشتاء، وحياة الإنسان كذلك قائمة على التغيير بين طفولة وشباب وشيخوخة وصحة ومرض، ورغم أن التغيير يلف حياتنا كلها، وهو سمة للوجود، فإن بعض العقول ترفض أن تعترف بالتغيير، وتناهض كل جديد، وتتمسك بالثبات والجمود.

 

وهنا يكون سؤالكم مشروعًا ومنطقيًّا، إذا كان التغيير سمة الوجود والحياة، فلماذا ترفضه عقولنا، وكيف يمكن تفسير ذلك فلسفيًّا ونفسيًّا؟

 

لماذا نقاوم التغيير؟

 

يقول الطبيب النفسي النمساوي الشهير "فيلهلم رايش" (المتوفى عام 1957م): "كلما قل فهمك لشيء ما، كلما ازداد إيمانك به" هذه المقاولة قد تفسر بعضًا من دوافع عقولنا لمقاومة التغيير، فقلة الفهم أو حتى سوء الفهم يجعلك تقاوم التغيير أو أي فكرة جديدة، ويترافق مع هذه المقاومة إيمانك بما لديك وثقتك فيه، رغم أن التغيير في غالب الأحيان هو عملية ذات نفع سواء في المجتمعات أو المؤسسات أو حتى على المستوى الشخصي، ورغم نفعه فإن هناك ما يمكن أن نطلق عليه "سيكولوجيا مقاومة التغيير".

 

هناك أسباب تقف وراء مقاومة بعض العقول للتغيير، منها:

 

* راحة القناعات: بعض العقول ترغب أن تعيش في منطقة الراحة، سواء راحة القناعات التي تؤمن بها ولا تسعى لاختبارها، أو راحة عدم التفكير ابتداءً، وهؤلاء يرون أن التفكير أشبه بصفقة واحدة، تم إنجازها، وعلى أرباحها المتوهمة يعيش العقل بقية حياته بلا تغيير ولا تبديل، يقول الكاتب وعالم النفس الأمريكي البروفيسور "آدم جرانت" في كتابه الطريف "فكّر مرة أخرى: قوة معرفة ما لا تعرفه": "هناك قوى أعمق وراء مقاومتنا لإعادة التفكير؛ فالتشكيك في أنفسنا يجعل العالم أكثر غموضًا، ويتطلب منا الاعتراف بأن الحقائق ربما تكون قد تغيرت، وأن ما كان صحيحًا في السابق قد يكون خاطئًا الآن. إن إعادة النظر في شيء نؤمن به بشدة قد يهدد هويتنا، مما يجعلنا نشعر وكأننا نفقد جزءًا من أنفسنا.. فنحن نُفضل راحة القناعة على إزعاج الشك". وكلام "جرنت" ذو وجاهة، فالشك أو التفكير في التغيير قد يكون مزعجًا للبعض، بل يراه تهديدًا لهويته ومساحات الطمأنينة في نفسه.

 

* الخوف من المجهول: قد يكون هذا الخوف من الدوافع النفسية القوية لمقاومة التغيير، والحكمة تقول "الإنسان عدو ما يجهله"، وحسب بعض الدراسات فإن بعض أدمغة الناس تنظر للتغيير على أنه تهديد لا فرصة، ولذا قد ترفضه أو تقاومه، فالغموض تفسره بعض الأدمغة على أنه خطر، وبدافع غريزة البقاء يتم رفض التغيير.

 

* الخوف من الخسائر: لا شك أن التغيير يُحدث تغيرات، وهو ما ينعكس في مكاسب وخسائر؛ ولذا فإن القوى التقليدية وذات المصالح والمستفيدة من جمود الأوضاع والتي تتحصل منافعها ومكاسبها في ظل حالة الجمود فإنها ستقاوم التغيير بكل قوة، وحسب خسائرها ستكون حدة المقاومة.

 

التحيز الفكري للواقع: تشير بعض الدراسات المتعلقة بالدماغ البشري، إلى أن التحيز للواقع والمألوف يعد ميلاً طبيعيًّا للدماغ، وهو يعزز مقاومة التغيير حتى ولو كان التغيير نافعًا ومفيدًا، وقد أنتجت الثقافة أمثالاً تؤيد هذه الحالة مثل "الذي نعرفه أفضل من الذي لا تعرفه"، وهذه الحالة الدماغية تعزز التفكير الاعتيادي النمطي، وهذه حالة في علم الإدارة تسمى "الجمود البيروقراطي"، حيث هناك تحيز للإجراءات على حساب المصلحة.

 

أشكال مقاومة التغيير

 

تظهر مقاومة التغيير بعدة أشكال، وممن سعى لفهم ذلك "بول جيبونز" حيث طرح نموذجًا لشكل المقاومة في كتاب صدر عام 2019 بعنوان "التأثير: إدارة التغيير في القرن الحادي والعشرين"، حيث سعى لفهم تلك الحالة في العصر الرقمي، ورأى أن المقاومة تتخذ أربعة أشكال رئيسية، هي:

 

التدمير: وهو يشمل التعطيل الفعال للتغيير، بأساليب متنوعة، منها: رفض المشاركة أو نشر معلومات مغلوطة.

 

التباعد: ويظهر في عدم المشاركة، وعدم الاهتمام، والإعراض، والتجاهل.

 

المماطلة: ومن أمثلتها التأخيرات، والتسويف والإبطاء المتعمد.

 

الاعتراض: وهذا قد يكون من خلال الاعتراض الصامت أو التعبير عن الاعتراض، وهذا النوع قد يكون الأصعب في عمليات التغيير؛ لأن الاعتراض قد يتوازى معه نقد للتغيير وطرح أفكار تقاومه من خلال الحجج والأدلة.

 

وختامًا أخي الكريم، التغيير سنة الحياة، وهو طريق الأنبياء، لذا وجد الأنبياء ومن سار على هديهم من المصلحين عنتًا من أقوامهم، فالمراكز المستقرة للسادة وذوي السلطان كانت تأبى أن يحدث تغييرًا اجتماعيًا وعقائديًا، ولذا كانوا من أكبر عقبات التغيير، وهو ما يفسر أن الضعفاء والبسطاء كانوا أكثر استجابة لدعوات التغيير والإصلاح.

 

موضوعات ذات صلة:

لماذا تضخم عقولنا بعض مخاوفنا؟

كيف تؤثر عقد النقص في العقل والسلوك؟

هل الذكاء الاصطناعي يضعف التفكير النقدي؟

كيف يمكن تنمية ملكة التفكير النقدي؟

هل تستفيد عقولنا من الصمت؟

الرابط المختصر :
hacklink satın al holiganbet giriş holiganbet casibom bets10 extrabet royalbet süperbetin casibom giriş betcio jojobet giriş casibom milanobet piabellacasino betpas bahiscasino atlasbet betpas casinoroyal bahiscasino ngsbahis betplay holiganbet jojobet casibom holiganbet jojobet casibom vaycasino romabet