الإستشارة - المستشار : أ. فاطمة عبد الرءوف
- القسم : الطلاق وتبعاته
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
72 - رقم الاستشارة : 6117
14/10/2026
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته دكتورة أنا امرأة عشت تجربة زواج استمرت 22 عامًا صبرت خلالها كثيرًا وحاولت بكل ما أملك الحفاظ على بيتي وأسرتي ولم أتخذ قرار الانفصال بسبب خلاف عابر أو رغبة في هدم أسرتي بل بعد سنوات من المعاناة ومحاولات الإصلاح حتى شعرت أن الاستمرار أصبح مؤذيًا لي ولأبنائي والله لو كان هناك مجال لمزيد من الصبر لصبرت لكنني وصلت إلى مرحلة شعرت فيها أنني استنفدت كل ما أستطيع فعله.
بعد الطلاق بدأت أفكر في أمر يؤلمني كثيرًا وهو نظرة المجتمع إلى المطلقة ولماذا تختلف عن نظرته إلى الأرملة أحيانًا أتخيل امرأتين عاشتا اثنين وعشرين عامًا مع زوجيهما إحداهما عاشت حياة زوجية هانئة ومستقرة ثم توفي زوجها والأخرى عاشت سنوات من المعاناة والإهانة وكانت تحاول الإصلاح وتدعو الله أن يصلح زوجها ويحفظ أسرتها وتضحي بأشياء كثيرة على أمل أن تتحسن حياتها حتى وصلت إلى مرحلة لم تعد تستطيع فيها الاستمرار فاختارت الطلاق.
أنا لا أقارن بين المرأتين من باب الحسد ولا أقلل من وجع الأرملة وفقدها لزوجها فهي تستحق كل الرحمة والمساندة لكنني أتساءل عن حال المرأة الثانية التي عانت سنوات طويلة داخل زواجها ثم وجدت نفسها بعد الطلاق أمام معاناة أخرى وهي نظرة المجتمع فالأرملة غالبًا ما تجد من يسأل عنها وعن أبنائها واحتياجاتهم ويواسيها ويعاملها برفق بينما قد تجد المطلقة من يلومها ويسألها لماذا لم تصبر أو يتعامل معها وكأنها هي التي هدمت بيتها مع أن أحدًا لا يعرف حقيقة ما عاشته ولا كم حاولت أن تصلح وتحافظ على أسرتها.
وما يزيد ألمي أنني أشعر أحيانًا بأن مجرد كوني مطلقة يجعلني موضع أحكام مسبقة حتى في بعض التعاملات اليومية وكأن هذه الكلمة تختصر أخلاقي وديني وتاريخ حياتي كله وكأن عليّ أن أبرر نفسي لكل من لا يعرف عني شيئًا.
ثم إن معاناة المطلقة لا تتوقف عند نظرة المجتمع فهناك أبناء يحتاجون إلى الرعاية والنفقة والاهتمام وقد تجد الأم نفسها وحدها في مواجهة الأعباء رغم أن الناس يرددون أن لهم أبًا مسؤولًا عنهم لكن ماذا لو كان الأب مقصرًا في مسؤولياته؟ ولماذا لا يُنظر إلى احتياجات الأبناء بدلًا من الاكتفاء بلوم الأم؟
وأحيانًا أشعر أنني محاصرة بين أمرين إن تحدثت عما عشته قيل إنني أفشي أسرار بيتي وأسيء إلى طليقي وإن صمتُّ تركت الآخرين يحكمون عليّ دون أن يعرفوا الحقيقة أنا لا أريد أن أظلم رجلًا ولا أطلب أن يصدق الناس كل امرأة دون تفكير ولا أريد أن أقلل من حق الأرملة في التعاطف لكنني أتمنى أن نفهم أن وراء كل حالة اجتماعية قصة مختلفة وأن المطلقة ليست بالضرورة امرأة فشلت في الحفاظ على بيتها فقد تكون امرأة صبرت طويلًا وحاولت كثيرًا حتى لم يعد أمامها خيار تستطيع احتماله.
سؤالي لكِ يا دكتورة لماذا يتعاطف المجتمع مع الأرملة ويقدّر صبرها بينما قد يقسو على المطلقة ويشكك في أسباب انفصالها رغم أن كلتيهما مرت بتجربة فقد صعبة وأن بعض المطلقات لم يصلن إلى قرار الانفصال إلا بعد سنوات طويلة من المعاناة ومحاولات الإصلاح؟
وكيف يمكن أن نجعل نظرتنا إلى المطلقة أكثر عدلًا ورحمة فلا نحكم على أخلاقها أو دينها من حالتها الاجتماعية ولا نحمّلها وحدها مسؤولية الانفصال وأعباء الأبناء بل ننظر إلى ظروفها واحتياجاتها وما عاشته فعلًا؟
وعليكم
السلام ورحمة الله وبركاته، وأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أختي الكريمة في موقعك بوابة
الاستشارات الإلكترونية.
عندما
نتحدث عن المجتمع فنحن نتحدث عن طيف واسع جدًّا من البشر لكل منهم سمات شخصيته
الخاصة.. نتحدث عن طبقات اجتماعية متنوعة.. ثقافات وأفكار ملونة بألوان الطيف
وطبقات وتوجهات دينية مختلفة.
وعلى
الرغم من ذلك أنا متفقة معك أن كثيرًا من الطبقات ما زالت تنظر للمطلقة نظرة سلبية
أو على الأقل نظرة تحمل اتهامًا حتى لو لم يتكلموا بشيء، وعلى الرغم من تفشي ظاهرة
الطلاق التي كان يفترض أن تقلل من تلك النظرة نظرًا لشيوع الحالة فلا تكاد توجد
عائلة بلا حالة طلاق، فإن هذا لم يحدث ربما بسبب حالات كثيرة كان ممكن إصلاحها وتم
اتهام أطرافها بالتعجل.
وإذا
أضفنا إلى ذلك شيوع ثقافة الكراهية بين الرجال والنساء كجزء من مؤامرة تستهدف بها
أمتنا فانقسم المجتمع إلى ذكوريين ونسويات، وتم إلحاق المطلقة بمجتمع النسويات
باعتبارها امرأة متمردة على حياتها الأسرية! وبالطبع الوضع يزداد صعوبة إذا كان
هذا الطلاق جاء عن طريق المحكمة.
وعلى
الرغم من ذلك كله فإن هناك قطاعات أخرى أصبحت أكثر وعيًّا وحساسية وإنصافًا في
التعامل مع المرأة المطلقة.
الطلاق
ورحمة الله عز وجل
أختي
الكريمة، ربما أنت كفرد لا تستطيعين إصلاح وتغيير أفكار الطبقات التقليدية التي
تتهم وتدين المطلقة.. أنت كفرد لا تستطيعين علاج طبقات الجهل المتراكمة على العقول
الصدئة لكنك تستطيعين أن تجعلي هذه الأفكار لا تكاد تؤثر فيك أو تؤلمك، فلقد لمست
وراء كلماتك حزنًا عميقًا يتجاوز ما طرحت من أسئلة اجتماعية.
الله
سبحانه وتعالى أطلق على سورة في كتابه الكريم اسم "الطلاق"، فهو تشريع
إلهي مثل الزواج، وهو مظهر من مظاهر رحمة الله بعباده عندما تغيب المودة والرحمة
ويختفى السكن وتصبح العلاقة مؤذية شائكة وتفشل كل محاولات الرأب والإصلاح والعلاج
فلا يتبقى إلا إنهاء هذه العلاقة، بل إن الله عز وجل وعد بعد آيات الطلاق بأن من
يتقي الله في كل أموره وبالتأكيد فيما يتعلق بأمور الطلاق الذي هو جزء من قدر
الإنسان فإن الله سبحانه سيخرجه من الضيق والهم ويرزقه السعة {وَمَن يَتَّقِ
اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ۚ
وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ
أَمْرِهِ ۚ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا}.
وفي
العهد النبوي حدث كثير من حالات الطلاق وأحيانًا كانت تستنفذ فرص الطلاق الثلاث
دون أن يستنكر النبي ﷺ ذلك.. وكان المجتمع يتعامل مع المطلقة بصورة طبيعية للغاية، وكثيرًا ما كانت تتزوج
مرة أخرى بمجرد انتهاء عدتها دون أن توصم أنها مقصرة أو أنها لم تصبر بما فيه
الكفاية.
نظرة
المجتمع العوراء للمطلقة
لا
أعتقد من المبالغة أن أقول إن مجتمعنا المعاصر ينظر في قطاعات منه للمرأة المطلقة
نظرة عوراء فلا يستطيع أن يميز بين سيدة نسوية تتعامل مع زوجها معاملة الند للند
وفقًا لمبدأ المساواة المطلقة، وبين فتاة مدللة لا تفهم شيئًا في قواعد الحياة
الزوجية ومع أول خلاف عابر ذهبت تطالب بالطلاق، وبين سيدة مضت سنوات طويلة من
زواجها وهي تعاني وتتألم وتهان وتفتقد احتياجاتها الأساسية في الزواج.. امرأة
تحترق في صمت وقد أغلقت من أمامها كل أبواب النجاة فلم يعد إلا باب الطلاق.. فهل
تتركين تلك النظرة العوراء تدمر ما تبقى من صحتك النفسية التي عليك أن تعملي سريعًا
على بنائها بعد تجربة قاسية شاقة؟
هل
تسمحين للنظرة العوراء أن تتهمك وتحاكمك ولا تسمح لك حتى بالدفاع عن نفسك؟ كيف
تتعاملين مع تلك النظرة وكيف تبنين صحتك النفسية من جديد؟ هذا ما سأطرحه عليك
المرة القادمة فتابعيني.
روابط ذات صلة:
لماذا يحمّل المجتمع المرأة المطلقة مسئولية الأبناء؟
كيف نحتوي المطلقات والأرامل داخل البيئة الدعوية النسائية؟