الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : العبادات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
28 - رقم الاستشارة : 5903
21/09/2026
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، مرحبًا شيخنا الفاضل، حياكم الله وبياكم، منذ فترة اعتمرت ولم استطع إكمال العمرة نتيجة لشدة الزحام وخلعت الإحرام ولم أكن أعلم الحكم الفقهي الخاص بخلع الإحرام ولا ما يجب أن أفعله وقتها، كما أنني لا أذكر هل عند النية هل اشترطت أم لا بقولي فإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني.
وللعلم فإنني قد اعتمرت بعد تلك العمرة بمدة ولكنني وقتها أيضًا لم أكن أعلم ما وقعت فيه في العمرة الأولى من خلع الإحرام وعدم الاستكمال وعدم الرجوع للعمرة. فما الحكم شيخنا الفاضل جزاكم الله عنا خيرًا.
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:
فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، الإحرام بركن العمرة التزامٌ شرعي لا ينحل إلا بتمام أفعالها من طواف وسعي وتحلل بالحلق أو التقصير، ومن أحرم بالعمرة ثم صدَّه زحامٌ شديدٌ أو عارضٌ يمنعه من الإتمام، فله أحكامٌ فقهية دقيقة تفصِّل حالة الاشتراط من عدمه، وتبيّن ما يترتب على الخروج من الإحرام قبل الإتمام جهلاً أو نسيانًا. وفي نازلة السائل الكريم تفصيلٌ بينَ ما إذا كان قد اشترط عند الميقات أو لم يشترط، وما يترتب على ذلك من فدية أو هدي وجبران.
اختصارًا: إن كان السائل قد اشترط عند إحرامه بقوله: فإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني: فلا شيء عليه، وتعتبر عمرته قد تحللت بمكان حبسه، ولا يلزمهُ شيءٌ لعدم إتمامها.
وإن لم يكن قد اشترط أو لم يذكر اشتراطه: فإنه يُعتبر في حكم "المُحصر" الذي حيل بينه وبين البيت، ومذهب الجمهور الحنفية والمالكية والشافعية في قول، والحنابلة يوجب عليه الهدي ذبح شاة أو ما يجزئ في الهدي حلقًا أو تقصيرًا في مكان الإحصار ثم يتحلل، وقيل عند الحنفية: إن أراد القضاء تحلل بلا دم ولا قضاء، لكن المعتمد عند الجمهور وجوب الدم لترك النسك قبل تمامه.
أما عن اعتمارك لاحقًا دون علمٍ بما وقع منك في العمرة الأولى: فالعمرة الثانية التي أديتها صحيحة ومجزئة عن نفسها لا عن العمرة التي تركت مناسكها، فهي لا تسقط عن ذمتك حكم العمرة الأولى التي لم تتم، ولا تزال مطالبًا بجبران تلك العمرة الأولى بدمٍ هدي يذبح في الحرم ويُصرف للفقراء، نظرًا لخلع الإحرام قبل أوانه جهلاً؛ لأن الجهل بالعقوبة لا يسقط وجوب الفدية.
ويفصل الشيخ ابن باز رحمه الله في الفرق بين من علم الحكم ومن جهله، فمن علم الحكم لزمه دم عن محظورات الإحرام، ومن لم يعلم سقط عنه الإثم والفدية جميعا.
وتفصيلاً:
مذهب
الشافعية والحنابلة والجمهور في حكم الإحصار بدون اشتراط:
يذهب
جمهور الفقهاء إلى أن من أحرم بحج أو عمرة فحبسه حابس كزحام شديد أو مرض أو عدو
ولم يكن قد اشترط، فإنه يتحلل بذبح هدي، لقول الله تعالى: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ
فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} [البقرة: 196]، ولفعل النبي ﷺ وأصحابه عام
الحديبية.
قال
الإمام النووي في المجموع شرح المهذب ج 8 ص 356: «قال الشاصي والماوردي وغيرهما:
إذا أحصر المحصر بعد الإحرام، فإن كان اشترط عند إحرامه بأن قال "إن حبسني
حابس فمحلي حيث حبستني" جاز له التحلل ولا شيء عليه... وإن لم يشترط لزمه
الهدي ليتحلل به».
وقال
الإمام ابن قدامة الحنبلي في المغني: «ومن فاته الحج أو احصر عنه فلم يتمكن من
إتمامه، لزمه الهدي... وإن كان جاهلاً بتحريم ما ارتكبه من محظورات الإحرام، أو
جاهلاً بالوجوب، فلا إثم عليه، ولكن تجب الفدية».
حكم
الجهل والعذر بالجهل في ترتب الفدية:
الجهل
بالحكم الشرعي عذرٌ في رفع الإثم، ولكنه لا يسقط البدل المالي المتعلق بحقوق الله
تعالى كالفدية والضمان.
جاء
في الموسوعة الفقهية الكويتية ج 17 ص 119 - أحكام الإحصار: «تتفق المذاهب على أن
المحصر الذي لم يشترط يلزمه الهدي إن أراد التحلل، والجهل بالحكم الشرعي يعذر فيه
الشخص فيرفع عنه الإثم، غير أن الأحكام المالية المتعلقة بالذمة كالفدية والدم
وجبران النسك الناقص لا تسقط بالجهل».
ويفرق
الشيخ ابن باز رحمه الله في رده على سؤالك بين حالة العلم بحرمة ترك العمرة، أو
الجهل بالحكم، حيث لا يعتبر الشيخ الزحام مبررًا، قال رحمه الله: "قد أخطأت
فيما فعلت عفا الله عنا وعنك، وكان الواجب عليك أن تكمل العمرة في وقت آخر غير وقت
الزحام؛ لقول الله سبحانه: {وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ} [البقرة:
196].
وقد
أجمع العلماء، على أنه يجب على من أحرم بحج أو عمرة أن يكمل ذلك، وألا يتحلل منهما
إلا بعد الفراغ من أعمال العمرة، ومن الأعمال التي تبيح له التحلل من أعمال الحج،
إلا المحصر والمشترط إذا تحقق شرطه.
فعليك
التوبة مما فعلت، وعليك مع ذلك أن تعيد ملابس الإحرام، وتتجنب محظورات الإحرام،
وتذهب إلى مكة لإكمال العمرة؛ للطواف والسعي والحلق أو التقصير، وعليك مع ذلك دم،
وهو: سبع بدنة، أو سبع بقرة، أو رأس من الغنم؛ ثني معز أو جذع ضأن، إن كنت جامعت
امرأتك في المدة المذكورة، وعليك أن تذهب إلى الميقات الذي أحرمت منه بالأول وتحرم
بعمرة جديدة، وتؤدي مناسكها؛ قضاء للعمرة الفاسدة بالجماع، مع التوبة مما فعلت،
كما تقدم، إن كنت تعلم الحكم، وأنه لا يجوز لك هذا العمل، فعليك إطعام ستة مساكين؛
لكل مسكين نصف صاع من قوت البلد من بر أو أرز أو غيرهما، أو ذبح شاة، أو صيام
ثلاثة أيام وعن لبس المخيط، ومثل ذلك عن تغطية الرأس، ومثل ذلك عن الطيب، ومثل ذلك
عن تقليم الأظفار، ومثل ذلك عن حلق الشعر في المدة المذكورة،
أما
إن كنت جاهلًا، فليس عليك شيء من الفدية المذكورة؛ لقول الله سبحانه: {رَبَّنَا
لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة: 286]، وقد صح عن رسول
الله ﷺ أن الله أجاب هذه الدعوة، ولأدلة أخرى في ذلك".
القواعد
الفقهية الحاكمة في عدم استكمال مناسك
العمرة:
قاعدة:
"اليقين لا يزول بالشك":
بما
أن السائل لا يذكر هل اشترط أم لا، فالأصل اليقيني هو عدم الاشتراط؛ لأن الاشتراط
أمر زائد يحتاج إلى تيقن، والأصل بقاء الذمة مشغولة حتى يتيقن البراءة، وبناءً على
ذلك يُعامَل معاملة من لم يشترط.
قاعدة:
"العذر بالجهل يسقط الإثم ولا يسقط الضمان":
إن
خلع الإحرام قبل التمام محظور من محظورات الإحرام ويوجب الجبران، وفعله جهلاً يرفع
عنه الإثم والمؤاخذة الأخروية، لكنه لا يسقط وجوب الفدية أو الهدي لجبران النسك.
قاعدة:
"ما انقطع دون تمام فهو منقطع":
العمرة
الأولى بقيت ناقصة وغير تامة، والعمرة الثانية التي قام بها لاحقًا صحيحة في
نفسها، لكنها لا تغني عن جبران النسك الأول الناقص إذا تطلب هديًا. والله تعالى
أعلى وأعلم.
روابط
ذات صلة: