الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : المعاملات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
7 - رقم الاستشارة : 5174
29/06/2026
توفي أخي فجأة وترك محفظة رقمية تحتوي على "بيتكوين" بملايين الدولارات، وبعد عناء تمكنا من فك الشفرة والوصول إليها، لكن قيمتها الآن هبطت للنصف عما كانت عليه يوم وفاته؛ فكيف نُقوّم هذه العملات لتقسيم التركة وإخراج الزكاة، وهل تُعتبر هذه العملات المشفرة مالاً شرعياً أصلاً؟
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،
وبعد
فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أختي الكريمة، تُعد الأصول
الرقمية والعملات المشفرة من أبرز النوازل الاقتصادية التي فرضت نفسها على الواقع
المالي المعاصر، ويحتاج التعامل معها في قضايا المواريث والزكاة إلى تفكيك طبيعتها
وتكييفها الفقهي بدقة.
والشريعة الإسلامية بطبيعة الحال أحاطت الحقوق المالية
بالرعاية والصيانة، وجعلت أحكام المواريث والتركات من القطعيات التي تولى الله
سبحانه تفصيلها بنفسه لإيصال الحقوق إلى أهلها دون منازعة. ونعزي السائلة في فقد
شقيقها، غفر الله له ورحمه.
ومن النوازل المعاصرة الشائعة مسألة توريث العملات
المشفرة وكيفية تقويمها عند هبوط أسعارها بعد الوفاة. وإن هذه المسألة تتطلب أولاً
حسم مالية هذه الأصول، وثانيًا تحديد تاريخ التقويم المعتبر شرعًا لقيمتها السوقية
المتقلبة؛ نظرًا لأن التراخي في التقسيم أو العجز عن فك الشفرات لفترة طويلة قد
يترتب عليه تغيرات حادة في قيمتها صعودًا وهبوطًا، مما يمس أنصبة الورثة ومقدار
الزكاة الواجبة في التركة.
اختصارًا: تُعتبر
العملات المشفرة كالبيتكوين مالاً شرعيًّا وحقًّا كسائر الحقوق المالية يُورث عن
المتوفى، ويجب إدراجها ضمن التركة وتقسيمها على الورثة حسب الأنصبة الشرعية، ولا
يجوز إتلافها أو استئثار أحد الورثة بها.
ويتم تقويم هذه العملات بقيمتها السوقية يوم القسمة
الفعلي، وهو وقت القبض والفرز وليس يوم الوفاة؛ لأن العملات المشفرة أعيان متقلبة
القيمة، والنقص أو الزيادة في قيمتها قبل القسمة يتحمله أو يستفيد منه جميع الورثة
على الشيوع.
تقويم العملة لإخراج زكاة التركة: يتم حساب الزكاة المتأخرة في ذمة المتوفى إن وُجدت
بناءً على قيمتها يوم وجوب الزكاة في حياته، أما الزكاة التي تجب بعد وفاته أثناء
فترة فك الشفرة، فتُحسب بناءً على قيمتها عند نهاية الحول لكل وارث بعد تمكنه من
التصرف فيها، وتُخرج بنسبة اثنين ونصف بالمائة من قيمتها السوقية السائدة حينها.
أولا: التكييف الفقهي لتقويم العملات المشفرة
لم يصدر عن مجمع الفقه الإسلامي الدولي التابع لمنظمة
التعاون الإسلامي قرار حاسم بالتحريم أو الإباحة حتى الآن، والمسألة لا تزال مدرجة
على جداول أعماله للدراسة المستفيضة. أما المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة
العالم الإسلامي، فقد أصدر قرارًا في دورته الثانية والعشرين يتجه فيه إلى المنع
والتحجير من حيث "التداول والبيع والشراء"؛ نظرًا لما يكتنفها من جهالة
شديدة، وغرر، وعدم وجود غطاء سيادي يضمنها، مما يجعلها شبيهة بالمقامرة.
حكم أخذ الوارث للعملات الرقمية من مورثه
واتفق الفقهاء المعاصرون وهيئات الإفتاء "بما فيهم
من يمنع تداولها أصلاً" على جواز أن يأخذ الوارث نصيبه من العملات الرقمية
التي تركها مورثه، ولم يقل أحد بمنع الوارث من حقه فيها.
وذلك لأن الفقه الإسلامي يفرق بين حكم الإنشاء والتداول
الابتدائي للعملة المعيبة أو المحرمة لعلة خارجية، وبين حكم انتقال الملكية بالإرث؛
ومن العلل الفقهية لورود هذا الحكم:
الخروج عن العهدة: الإثم والمنع في تداول العملات المشفرة (عند من يقول بالتحريم) يتعلق
بذمة المتوفى الذي باشر المعاملة، أما الوارث فإنه يتملك المال تملكًا جديدًا
بالحكم الشرعي والإرث دون إثم عليه.
البيتكوين مال متقوم بعد القبض: المنع من التداول كان لحماية الناس من الغرر
والخسارة، فإذا استقرت العملة في محفظة المتوفى وصار لها قيمة مالية حقيقية
يتبادلها الناس وتُباع بالنقود، فإنها تأخذ حكم "المال" الذي لا يجوز
إتلافه أو حرمان الورثة منه.
تبدل العين بتبدل الملكية: انتقال المال من ذمة إلى ذمة يطهره في حق الوارث إذا لم يكن المال
مغصوبًا من شخص معين.
قرار دائرة الإفتاء العام الأردنية رقم 2580:
إذا تملك الشخص العملات الرقمية في حياته وصارت لها قيمة
مالية معتبرة في الواقع، فإنها تُعد جزءًا من تركته بعد وفاته، وتنتقل إلى ورثته
كحق مالي، ويتم تقويمها بالعملة النقدية المستقرة عند التصفية والقسمة، وذلك لأن
منع التداول بها في حياته للاعتبارات الاقتصادية لا ينفي ماليّتها بعد حصولها
وثبوت قيمتها للورثة.
فتوى اللجنة الشرعية لبيت الزكاة الكويتي:
الأموال المصونة الرقمية أو السندات التي منع الشرع
التعامل بها لعلة الغرر أو الربا، إذا مات صاحبها تنتقل إلى الورثة، ويجوز لهم
تسلمها وتقسيمها؛ لأن الإرث سبب من أسباب الملك الجبري المخفف، والوارث لا يؤاخذ
بكسب مورثه ما دام أصل العين ليس مغصوبًا من أحد.
القواعد الفقهية الحاكمة:
قاعدة الغُنْم بالغُرْم:
بما أن الورثة كانوا سيستفيدون جميعًا لو تضاعف سعر
البيتكوين بعد الوفاة وقبل القسمة وهو الغنم، فكذلك يتحملون جميعًا هبوط سعره
للنصف وهو الغرم؛ فالخسارة والربح على الشيوع بين الورثة بحسب أنصبتهم.
قاعدة العبرة في الآثار المالية بوقت الاستقرار والتمكن:
طالما أن المحفظة كانت مغلقة ومجهولة الشفرة، فإن الورثة
لم يكونوا متمكنين من التصرف فيها وهو ما يعرف بالمال الضمار. والمال الذي لا يمكن
الوصول إليه لا تجب زكاته عند بعض الفقهاء إلا بعد قبضه والتمكن منه؛ لذا يتم
تقويمه وإخراج زكاته بناءً على القيمة الحالية يوم فك الشفرة والتمكن، لا على
قيمته العالية السابقة التي تعذر الوصول إليها.
قاعدة الشركاء في العين شركاء في النماء والنقص:
بمجرد الوفاة، يمتلك الورثة التركة ملكًا مشاعًا كشركاء
جبريين. وحيث إن البيتكوين تراجع سعره وهو في المحفظة المشتركة بغير تعدٍّ من أحد،
فإن النقص يسري على الجميع، ويُقوّم السعر عند الفرز الفعلي لإعطاء كل وارث حصته
الرقمية أو قيمتها النقدية المعادلة في ذلك اليوم.
قاعدة العبرة في العقود والمعاملات بالمقاصد والمعاني:
عدم وجود كيان فيزيائي ملموس للبيتكوين لا ينفي عنه
الصفة المالية؛ لأن المقصد الأساسي من المال هو الاعتراف الاجتماعي والاقتصادي
بقيمته وقابليته للتبادل والتمول، وهو ما يصدق على العملات الرقمية اليوم. والله
تعالى أعلى وأعلم.
روابط
ذات صلة: