الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : المعاملات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
29 - رقم الاستشارة : 6235
01/11/2026
أنا طالبة مقبولة في منحة دراسية لتخصص التمريض، وتشترط الجهة المانحة أن أعمل عندها خمس سنوات بعد التخرج، وتتكفل بتكاليف دراستي، ويترتب عليّ التزام مالي (عقد جزائي) لو انسحبت أو لم أُكمل مدة العمل. وقد أخبروني مسبقًا أن بيئة العمل فيها اختلاط بين الرجال والنساء. وعندي فرصة أخرى في تخصص آخر لا أعلم هل سأُقبل فيها أم لا، والأرجح أن أُقبل في التمريض قبلها. فما حكم الدخول في هذه المنحة والالتزام بالعمل عندهم مع وجود الاختلاط؟ وهل الأولى لي أن أقبلها أم أنتظر الفرصة الأخرى؟
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث
رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أختي الكريمة، وإن
حرصكِ على تحري الحلال في دراستكِ وعملكِ المستقبلي، واستبراء لدينكِ وعرضكِ، هو
علامة على حياة القلب ويقظة الضمير، ونسأل الله أن ييسر لكِ الخير حيث كان وأن
يرضيكِ به، مسألتكِ تشتمل على عدة جوانب فقهية معاصرة؛ كحكم عقود المنح الدراسية
المشروطة بالعمل، وحكم الشرط الجزائي فيها، وضوابط عمل المرأة في مجال التمريض،
والتحرير الدقيق لمسألة وجود الرجال والنساء في مكان عمل واحد وهو ما يُعبر عنه
بالاختلاط، وكيفية الموازنة بين الفرص المتاحة.
اختصارًا:
يجوز
لكِ الدخول في هذه المنحة الدراسية وتوقيع العقد الذي يشترط العمل لمدة خمس سنوات،
والشرط الجزائي المالي عند الانسحاب صحيح شرعًا متى كان مقدرًا بالتكلفة الفعلية
للمنحة دون زيادة ربوية.
أما
العمل في التمريض فهو من فروض الكفايات، ومجرد وجود الرجال والنساء في مكان العمل
الواحد كالمستشفيات ليس هو الاختلاط المذموم شرعًا، متى التزمتِ بالحجاب الشرعي،
وغض البصر، وتجنب الخلوة، والجدية في التعامل، والأولى لكِ استخارة الله ثم المضي
في هذه الفرصة إذا انشرح صدرك لهذا الأمر، ولا ينبغي تضييعها فقط للخوف من
الاختلاط إذا كنت تعلمين من نفسك أنك قادرة على صيانة عرضك، خاصة أن التمريض مهنة
ضرورية تحتاجها الأمة.
ولا
يخفى ما في المهنة من تحديات وصعوبات ينبغي أن تكوني مستعدة لها، وما يلائم فتاة
قد لا يلائم أخرى، وأنت الحكم والفيصل فأنت أدرى بنفسك.
وتفصيلاً:
أولاً:
حكم المنحة المشروطة والشرط الجزائي
العقد
الذي بينك وبين الجهة المانحة يُخرّج فقهيًّا على أنه "إجارة موصوفة في
الذمة" أو "جعالة"، وهو من العقود الجائزة. واشتراطهم العمل لديهم
لمدة محددة مقابل التكفل بدراستك هو شرط صحيح لا يخالف مقتضى الشرع.
وقد
نص النبي ﷺ في الحديث
الصحيح الذي أخرجه الترمذي والدارقطني: «المُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ، إِلَّا
شَرْطًا حَرَّمَ حَلَالًا أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا».
أما
الشرط الجزائي المترتب على الانسحاب أو عدم إكمال المدة، فقد أقرّه مجمع الفقه
الإسلامي الدولي التابع لمنظمة التعاون الإسلامي في قراراته، شريطة أن يكون
التعويض مساويًا للضرر الفعلي وهو هنا تكاليف الدراسة التي دفعتها الجهة ولا يجوز
أن يكون فيه غرامات تأخير ربوية. قال ابن قدامة في "المغني": "وإذا
شرط شرطًا لا ينافي مقتضى العقد... لزم الوفاء به".
ثانيًا:
مهنة التمريض وحاجة الأمة إليها
التمريض
من أنبل المهن وأعظمها أجرًا إذا صحت النية، وهو "فرض كفاية" يجب أن
يقوم به من يكفي حاجة المسلمين، وحاجة النساء إلى ممرضات نساء حاجة ماسة لستر
العورات ورفع الحرج. وقد ثبت في صحيح البخاري عن الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ
رضي الله عنها، قَالَتْ: «كُنَّا نَغْزُو مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، فَنَسْقِي
القَوْمَ، وَنَخْدُمُهُمْ، وَنَرُدُّ الجَرْحَى وَالقَتْلَى إِلَى المَدِينَةِ».
فهذا نص صريح في خروج المرأة لتمريض الرجال في حالات الحاجة، فكيف بتمريضها للنساء
في المستشفيات.
ثالثًا:
التحرير الدقيق لمسألة "الاختلاط" في بيئة العمل
يجب
التفريق بدقة بين "الاختلاط المذموم" المحرم، وبين "الاجتماع
للحاجة" مع حفظ الحرمات، فالاختلاط المذموم المحرم هو الذي تذوب فيه الحواجز
الشرعية بين الجنسين، ويشتمل على محظورات مثل الخلوة بوجود رجل وامرأة منفردين في
مكان مغلق، أو التبرج والسفور، أو الملامسة، أو الخضوع بالقول اللين والتميع في
الحديث، أو تضييع الأوقات في أحاديث ودية خارج إطار العمل، وهذا هو الذي حذر منه
الشرع، وسدّ ذرائعه.
أما
الاجتماع والمشاركة في مكان العمل للحاجة فمجرد وجود الرجال والنساء في مكان واحد
كالمستشفى، أو الجامعة، أو السوق، مع التزام كل طرف بآداب الإسلام، ليس محرمًا في
ذاته. وقد كان النساء يشهدن الصلاة في المسجد النبوي، ويطفن حول الكعبة مع الرجال،
ويتبايعن في الأسواق.
قال
الإمام ابن القيم في "الطرق الحكمية" مُبيّنًا حدّ المنع: "ولي أمر
المسلمين يجب عليه منع النساء من الاختلاط بالرجال في الأسواق، ومجامع الرجال...
ومنعهم من الخلوة بهن". فالمنع متوجه للتلاحم، والمزاحمة، والخلوة، لا لمجرد
التواجد في مكان واحد.
فإذا
كانت بيئة العمل في المستشفى تلزمكِ بالتواجد في عنابر أو مكاتب فيها أطباء
وزملاء، فهذا جائز بشرط الالتزام بالحجاب الشرعي الكامل الفضفاض غير اللافت، وغض
البصر إلا عما تدعو إليه حاجة العمل لقوله تعالى: {وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ
يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ}، وكذا الجدية والحزم في الكلام، وتجنب الخضوع
بالقول لقوله تعالى: {فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي
قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا}، وأخيرًا تجنب الخلوة تمامًا لقول
النبي ﷺ: «لا يخلون رجل
بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان» رواه الترمذي.
رابعًا:
الموازنة بين الفرصة الحالية والمستقبلية المتوقعة
من
القواعد العقلية والشرعية عدم ترك المصلحة المتيقنة وهي المنحة الحالية لأجل مصلحة
متوهمة وهي التخصص الآخر الذي لم تُقبلي فيه بعد، وبما أن العمل في التمريض مباح،
بل ومندوب، فلا حرج عليك في القبول. ويُشرع لكِ أداء صلاة الاستخارة، وهي تفويض
الأمر لله ليختار لك ما فيه خير في دينك ودنياك، ثم المضي قدمًا في إجراءات المنحة
الحالية، فإن كان فيها خير يسرها الله، وإن كان الخير في التخصص الآخر صرفكِ عن
هذه وهيأ لكِ تلك.
القواعد
الفقهية الحاكمة في العمل بالمستشفيات والمؤسسات المختلطة:
الأصل
في العقود والشروط الإباحة والصحة: فلا يُحرم منها ولا يُبطل إلا ما
دل الشرع على تحريمه، وعليه فعقد المنحة المشروطة صحيح.
الحاجة
تنزل منزلة الضرورة، عامة كانت أو خاصة: وحاجة المجتمع
الطبي لعمل المرأة المسلمة الملتزمة حاجة ماسة تُسوّغ التواجد في أماكن العمل
المشتركة.
الضرر
يُزال: وتطبيقها هنا أن الشرط الجزائي لا يجوز أن يتجاوز حد الضرر المالي الفعلي الذي
تكبدته الجهة المانحة.
ما
أُبيح للحاجة يُقدّر بقدرها: فالتواصل مع زملاء العمل والرجال في
المستشفى يُقتصر فيه على قدر الحاجة المهنية، ولا يُتوسع فيه إلى العلاقات الشخصية
والأحاديث الجانبية التي لا طائل منها. والله تعالى أعلى وأعلم.
روابط
ذات صلة:
حائرة بين التمريض والجلوس في البيت.. أيهما تختار؟