الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : العبادات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
22 - رقم الاستشارة : 5435
02/08/2026
والدي رجل طاعن في السن ومصاب بمرض "ألزهايمر" في مرحلة متقدمة، لدرجة أنه لم يعد يدرك الأوقات ولا الأشخاص، فهل تجب عليه الصلاة والصيام في هذه الحالة، وهل يجب علينا نحن أولاده إخراج فدية طعام عن الأيام التي يفطرها في رمضان؟
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،
وبعد:
فأهلا وسهلا ومرحبا بك أخي الكريم، وأسأل الله تعالى أن
يعظم أجركم، وأن يكتب شفاءه ورحمته لوالدكم، وأن يرزقكم برّه والإحسان إليه في هذه
المرحلة من حياته. إن الشريعة الإسلامية قامت على التيسير ورفع الحرج عن المكلفين،
ومن رحمة الله تعالى بعباده أنه جعل العقل والإدراك شرطًا أساسيًّا لتوجه الخطاب
الشرعي وتكليف العبد بالعبادات كالصلوات والصيام. فإذا زال عقل الإنسان أو ضعف
إدراكه بالكامل بسبب مرض كالزهايمر المتقدم أو الخرف الهرمي، فإن القلم يُرفع عنه،
ويُحط عنه التكليف بالكلية رحمةً من الله وفضلاً.
اختصارًا: تسقط عنه الصلاة بالكلية؛ فلا تجب عليه، ولا يصح منه أداؤها لعدم وجود
التكليف، ولا يجب على أولاده ولا أولياء أمره القضاء عنه ولا إخراج أي فدية؛ لأن
الصلاة عبادة بدنية ليس لها بديل عند فقد الأهلية.
ويسقط عنه وجوب الصيام؛ لزوال شرط التكليف وهو العقل
والإدراك، ولا تجب الفدية لا من ماله ولا من مال أولاده؛ لأن الفدية إنما تجب في
حق الشيخ الكبير أو المريض الذي يدرك ويعقل لكنه يعجز جسديًّا عن الصوم، أما من
زال عقله وإدراكه كالمصاب بالزهايمر المتقدم فهو غير مكلف أصلًا بالصوم ولا ببدله.
أولاً: الأصول الشرعية في رفع التكليف عند زوال العقل
عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال:
«رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ
الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ» رواه أبو
داود برقم 4400، والترمذي برقم 1423، والنسائي برقم 3432.
ثانياً: نصوص الفقهاء القدامى
قال الإمام ابن قدامة في المغني طبعة مكتبة القاهرة، ج 3
ص 151، كتاب الصيام: «وَالشَّيْخُ الْكَبِيرُ الَّذِي زَالَ عَقْلُهُ بِسَبَبِ
الْكِبَرِ، لا تَجِبُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَلا الصِّيَامُ، وَلا تَجِبُ عَلَيْهِ
الْفِدْيَةُ؛ لأَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ».
وقال الإمام النووي في المجموع شرح المهذب طبعة دار
الفكر، ج 3 ص 6: «فَأَمَّا مَنْ زَالَ عَقْلُهُ بِ جُنُونٍ أَوْ كِبَرٍ أَوْ
مَرَضٍ، فَلا تَجِبُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ، وَلا يَلْزَمُهُ قَضَاؤُهَا إِذَا
أَفَاقَ... لِأَنَّ التَّكْلِيفَ مَنُوطٌ بِالْعَقْلِ».
ثالثًا: فتاوى
العلماء المعاصرين في مريض الزهايمر
قال الشيخ ابن باز في مجموع فتاوى ابن باز ج 15 ص 211:
«إذا كان الشيخ الكبير قد تغير عقله لكبر السن وأصبح لا يعقل، فإنه يسقط عنه
التكليف، فلا يجب عليه صوم ولا صلاة ولا إطعام، لكونه يعامل معاملة غير المكلفين
كالصبي والمجنون؛ لأن التكليف شرطه العقل، فإذا زال العقل زال التكليف».
وقال الشيخ ابن عثيمين في الشرح الممتع على زاد المستقنع
طبعة دار ابن الجوزي، ج 6 ص 326: «الهرم الذي وصل إلى حد الخرف ليس عليه صوم ولا
إطعام، لأنه لا عقل له، ومن لا عقل له فليس بمكلف، فلا تلزمه العبادات البدنية
كالصلاة والصيام، ولا بدلها كالإطعام».
وجاء في فتاوى اللجنة الدائمة المجموعة الأولى، ج 10 ص
173، الفتوى رقم 18884: «من فقد التمييز لكبر سن أو مرض الزهايمر حتى أصبح لا يعقل
ولا يُميز، فقد سقط عنه التكليف، ولا يجب عليه الصيام ولا إخراج الفدية عنه؛ لأن
من شرط وجوب الصوم العقل، وهذا قد زال عقله».
القواعد الفقهية الحاكمة فيما يجب على مريض
الزهايمر
قاعدة: «العقل مناط التكليف»
الشارع الحكيم علّق وجوب الأحكام والعبادات بوجود العقل
والإدراك. فمتى ما زال التمييز والإدراك عن المريض كما في مراحل الزهايمر
المتقدمة، سقط الخِطاب الشرعي عنه في أداء العبادات.
قاعدة: «سقوط البدل بسقوط المبدل منه»
الإطعام الفدية هو بدل شرعي عن الصيام في حق من يطيقه
بمشقة شديدة كالكبير العاجز مع بقاء عقله، فإذا سقط الأصل الصيام عن فاقد العقل
لعدم توجه التكليف إليه أصلاً، سقط البدل الفدية تبعاً له.
قاعدة: «المشقة تجلب التيسير»
قامت أحكام الشريعة على العفو والرحمة بأصحاب الأعذار
الدائمة والتخفيف عنهم وعن ذويهم، فلا يُكلف العبد بما فوق طاقته وما خرج عن دائرة
شعوره وإدراكه. والله
تعالى أعلى وأعلم.
روابط
ذات صلة: