"محو الأمية" متى يكون مصرفًا من مصارف الزكاة؟

Consultation Image

الإستشارة 03/09/2026

ما حكم دفع أموال الزكاة لتأسيس مراكز محو أمية للكبار؟ وهل يُعتبر التعليم في هذه الحالة داخلًا في مصرف "في سبيل الله" أم يقتصر على مصرف "الفقراء والمساكين" بشروط محددة للتمليك؟

الإجابة 03/09/2026

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:

 

فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، واعلم حفظك الله ورعاك أن الزكاة ركن حصين من أركان الإسلام، فرضها الله تعالى لحكم عالية ومقاصد سامية، وجعل مصرفها محصورًا في ثمانية أصناف أبانها سبحانه في كتابه الكريم بقوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [التوبة: 60]. وتعد مسألة صرف أموال الزكاة لبناء المراكز الخدمية والتعليمية كـ "مراكز محو أمية الكبار" من المسائل الفقهية التي تدور بين أصول فقه الزكاة ومنها شرط "التمليك" للمستحق والتوسع في فهم مصرف "في سبيل الله".

 

اختصارًا: يرى جمهور الفقهاء المتقدمين والمعاصرين عدم جواز صرف أموال الزكاة لتأسيس وبناء مراكز محو الأمية كأصول وإنشاءات؛ لأن الزكاة تشترط "التمليك الشخصي" للمستحقين ولا يصح جعلها في أصول عامة على المشاع، ولأن مصرف "في سبيل الله" مقصور عندهم على الجهاد والغزاة حقيقة. بينما يرى فريق من العلماء المعاصرين جواز ذلك استثناءً ودخولاً في سهم "في سبيل الله" بمفهومه الشامل لحماية عقيدة الأمة ونشر العلم عند عدم وجود مصادر أخرى.

 

التوفيق والأحوط شرعًا: الأبرأ للذمة والأقرب لمقاصد الشرع هو الجمع بين تحقيق المقصد واستيفاء الشرط: أن يُبنى ويُؤَسّس مركز محو الأمية من أموال الصدقات العامة والتبرعات والوقف، بينما يُخصص مال الزكاة لدفع الرسوم وكفالة الدارسين الأُميين من الفقراء والمساكين شخصيًّا، فيتحقق شرط التمليك الشرعي للفقير يقيناً بتمليكه منفعة التعليم وتأهيله.

 

وتفصيلاً:

 

فلقد أفاض العلامة القرضاوي رحمه الله في مناقشة هذه المسألة واستوعب في مبحث مطول أقوال المتقدمين والمتأخرين، وناقشها مناقشة مستفيضة، ثم خلص إلى الرأي الراجح فقال رحمه الله في سفره الماتع عن الزكاة: "المعنى الأصلي للكلمة (في سبيل الله) لغة هو: كل عمل خالص سلك به طريق التقرب إلى الله فهو يشمل جميع الأعمال الصالحة، فردية كانت أو جماعية.

 

وأن المعنى الغالب للكلمة والذي يفهم منها عند الإطلاق هو: الجهاد حتى صار لكثرة استعمالها فيه كأنه مقصور عليها.

 

وهذا التردد بين المعنيين كان سببًا لاختلاف الفقهاء في تعيين المقصود من هذا المصرف. ولهذا كان المعنى الثاني داخلاً بإجماع الفقهاء في معنى سبيل الله، ولكن الخلاف بين العلماء في أمر آخر، وهو: هل يقصر معنى (سبيل الله) على الجهاد كما هو المتبادر عند الإطلاق؟ أم يتجاوز ذلك فيشمل المعنى الأصلي للكلمة في اللغة، فلا يقف عند حدود الجهاد، بل لا يبقى عمل من أعمال البر والخير إلا دخل فيه؟

 

ومن العلماء -قديمًا وحديثًا- من توسع في معنى (سبيل الله) فلم يقصره على الجهاد وما يتعلق به، بل فسره بما يشمل سائر المصالح والقربات وأعمال الخير والبر، وفقًا للمدلول الأصلي للكلمة وضعًا.

 

ثم قال رحمه الله: "إن الذي أرجحه أن المعنى العام لسبيل الله لا يصلح أن يراد هنا؛ لأنه بهذا العموم يتسع لجهات كثيرة، لا تحصر أصنافها فضلاً عن أشخاصها. وهذا ينافي حصر المصارف في ثمانية. كما هو ظاهر الآية، وكما جاء عن النبي: "إن الله لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات حتى حكم فيها هو فجزأها ثمانية أجزاء"، كما أن سبيل الله بالمعنى العام يشمل إعطاء الفقراء والمساكين وبقية الأصناف السبعة الأخرى؛ لأنها جميعًا من البر وطاعة الله، فما الفرق إذن بين هذا المصرف وما سبقه وما يلحقه؟

 

ولهذا أوثر عدم التوسع في مدلول (سبيل الله) بحيث يشمل كل المصالح والقربات. كما أرجح عدم التضييق فيه، بحيث لا يقتصر على الجهاد بمعناه العسكري المحض.

 

إن الجهاد قد يكون بالقلم واللسان، كما يكون بالسيف والسنان. قد يكون الجهاد فكريًّا، أو تربويًّا، أو اجتماعيًّا، أو اقتصاديًّا، أو سياسيًّا. كما يكون عسكريًّا. وكل هذه الأنواع من الجهاد تحتاج إلى الإمداد والتمويل.

 

المهم أن يتحقق الشرط الأساسي لذلك كله، وهو أن يكون (في سبيل الله) أي في نصرة الإسلام، وإعلاء كلمته في الأرض، فكل جهاد أريد به أن تكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله. أيًّا كان نوع هذا الجهاد وسلاحه" انتهى كلامه رحمه الله.

 

ولهذا حين يكون مشروع محو الأمية جزءًا من إعداد الأمة للتسلح بالعلم ولمواجهة المستقبل واستعادة ريادة أمة الإسلام من جديد، يكون جزءًا من سبيل الله المعني في الآية، وحين يكون مجرد مشروعات على الورق لا تنتج قليلاً ولا كثيرًا، فالأولى توفير الزكاة لرعاية المعوزين وذوي الحاجات.

 

ويبقى رغم كل شيء اختلاف علمائنا على هذا النحو رحمة للأمة، فلربما ضاقت واستحكمت النفقة على باب من أبواب الخير الضرورية، ولم نجد إلا الزكاة، فيكون في اختلافهم -رحمة الله عليهم- مخرجًا وسعة.

 

القواعد الفقهية الحاكمة في سهم في سبيل الله:

 

1. قاعدة: الأصل في الزكاة التمليك

 

تُوجب هذه القاعدة أن يستقر عين مال الزكاة أو منفعتها في ملك الفرد المستحق ليتمكن منه تصرفًا وانتفاعًا، وهو ما يتحقق بكفالة الأُمّي الفقير ودفع رسوم تعلمه بدلاً من ضخ المال في المباني والأصول المشاعة.

 

2. قاعدة: الخروج من الخلاف مستحب

 

لما كان بناء المراكز والإنشاءات من الزكاة موضع خلاف فإن الأخذ بالأحوط يُوجب جعل التأسيس من الصدقات والأوقاف العامة وضمان وصول مال الزكاة لأشخاص المستحقين.

 

3. قاعدة: إعمال الكلام أولى من إهماله

 

تقتضي هذه القاعدة إعطاء كل مصرف من مصارف الزكاة الثمانية معناه الخاص المتميز؛ فلو جُعل "في سبيل الله" شاملاً لكل أبواب البر العامة كالمراكز والمدارس والطرق، لالتقى مصرف الفقراء بغيره وبطلت فائدة الحصر والتعيين القرآني المحكم.

 

4. قاعدة: يُتحمّل الضرر الخاص لدفع الضرر العام بشرط عدم إهدار النص

 

تُراعي هذه القاعدة أهمية القضاء على الأمية، ولكن يُوفّق بين المصلحة والنص الشرعي بتوجيه أموال الزكاة للدارسين الفقراء المباشرين، وتوفير التمويل الإنشائي للمراكز من موارد البر والصدقات المتعددة الأخرى. والله تعالى أعلى وأعلم.

 

روابط ذات صلة:

سهم "ابن السبيل" هل يصرف منه على اللاجئين والمطاردين؟

التعليقات

الرابط المختصر :