هل ألم تأخُّر الإنجاب وسؤال «لماذا أنا» ينافيان الرضا؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. فتحي عبد الستار
  • القسم : الابتلاءات والمصائب
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 6
  • رقم الاستشارة : 6177
23/10/2026

السلام عليكم ورحمة الله. أنا عمري 34 سنة، متزوجة صار لي 8 سنين وما رزقنا الله بعيال، وسوينا أنا وزوجي فحوصات وعلاجات واجد وما جابت نتيجة. أنا أدعي رب العالمين بكل صلاة، وأتصدق وأكثر من الاستغفار، بس إذا حضرت مناسبات الأهل وشفت عيالهم تحز في خاطري وأحس بغصة، ويجي في بالي: ليش أنا بالذات؟ وبعدين أستغفر وأخاف يكون هالشيء اعتراض على قدر الله.

زوجي صابر ويقول إحنا راضون، بس أنا ما أقدر أكون مثله. فهل شعوري هذا ينافي الرضا بالقضاء؟ وهل تأخير الإجابة يعني أن الله غاضب عليَّ؟

الإجابة 23/10/2026

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، ومرحبًا بك أختي الكريمة، وأشكرك على ثقتك بنا وتواصلك معنا، وأسأل الله أن يشرح صدرك، ويربط على قلبك، ويجبر خاطرك جبرًا يليق بكرمه، وأن يرزقك وزوجك ذرية طيبة تقر بها أعينكما، وأن يجعل ما أنتما فيه رفعة في الدرجات وسكينة في القلب، وبعد...

 

لستِ ضعيفة الإيمان أبدًا

 

فأول ما أود أن تسمعيه أن سيدة مثلك، تدعو في كل صلاة، وتتصدق، وتكثر من الاستغفار، ثم تخاف أن يكون حزنها اعتراضًا على ربها، ليست ضعيفة الإيمان أبدًا؛ والذي أتعبك -في ظني- هو الخلط بين الألم والاعتراض. فصرتِ كلما حزنتِ ظننتِ أنك أخطأتِ، ثم تألمتِ من الخوف من الألم.

 

وقد بدأ القرآن قصة نبي كريم عاش ما عشتِه من انتظار الإنجاب، بقوله: ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا﴾ [مريم: 2]. فجعل الله ما جرى لزكريا عليه السلام «رحمة» تُذكَر، مع أنه بلغ من الكبر عتيًّا، ونادى ربه طويلًا، إلى أن استجاب الله عز وجل.

 

هل ما تشعرين به ينافي الرضا بالقضاء؟

 

لا يا أختي، الحزن لا ينافي الرضا، فأعظم الخلق رضًا بقضاء الله هو النبي ﷺ، وقد حزن وبكى عند وفاة ابنه إبراهيم، وقال: «إن العين تدمع، والقلب يحزن»، لكنه قرن ذلك بقوله: «ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون» [رواه البخاري]. فجمع في كلمات قليلة بين دمع العين وحزن القلب ورضا الرب، ووضع الميزان: القلب يحزن، واللسان لا يقول إلا ما يرضي الله.

 

وهذا يعقوب عليه السلام: ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [يوسف: 84]، ومع ذلك قال: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ [يوسف: 83]. وقال أيضًا: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: 86]. والصبر الجميل هو الذي لا شكوى فيه لغير الله.

 

وأيوب عليه السلام نادى ربه: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء: 83]. وشهد له ربه بعد ذلك فقال: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: 44]. فصار الشاكي إلى ربه «صابرًا»، ولم يسقط عنه وصف الصبر لأنه أظهر ضعفه بين يدي الله.

 

فيجب أن نُفرِّق بين ثلاثة أشياء:

 

ما يقع في القلب بغير اختيار: غصة وحزن وانكسار عند رؤية الأطفال. وهذا لا حساب عليه، فلا أحد يملك أن يمنع قلبه من الألم.

 

القول والفعل: كأن يتسخط اللسان على قدر الله، أو ينكر عدله وحكمته، أو يُترك الدعاء والطاعة غضبًا، وهذا هو المُحرَّم.

 

اعتقاد القلب الراسخ: هل أنت في أعماقك تؤمنين بأن الله حكيم رحيم، حتى وأنت متألمة؟ وأنت -حسبما كتبت- تدعين الله وتتصدقين وتستغفرين، فالحمد لله رب العالمين.

 

فليس معنى الرضا ألا تتألمي، بل أن تعلمي أن الله لا يظلم، وأنه أرحم بك من نفسك، كما أنك تبذلين الأسباب وتدعين، والأخذ بالأسباب من تمام الإيمان، فمتابعتك العلاج مع الدعاء عمل بالقدر لا اعتراض عليه.

 

سؤال: «لماذا أنا بالذات؟»

 

إن العطاء والمنع –لا شك- بيد الله وحده، يقول سبحانه: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾ [الشورى: 49]، ثم قال: ﴿أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: 50]. ولاحظي قوله تعالى: ﴿عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾. فالمنع هنا مصحوب بعلم الله الكامل وقدرته. وليس في الآية أن الإنجاب دليل رضا من الله، ولا أن فقده دليل سخط.

 

إن الإنجاب –أختي الفاضلة- ليس مقياسًا لمنزلة العبد عند ربه. فهذه أمنا عائشة -رضي الله عنها- وقد كانت أحب زوجات النبي ﷺ إليه، لم يُرزق منها بولد. وزكريا وإبراهيم -عليهما السلام- انتظرا الإنجاب طويلًا.

 

ثم إننا يا أختي –غالبًا- لا نرى إلا جزءًا من الصورة، فقد قال الله: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 216]؛ فربما كان تأخير الإنجاب أو عدمه خيرًا لك في دنياك أو أخراك، أو فيهما معًا.

 

إذن، حوِّلي سؤال «لماذا أنا؟» إلى ما ينفعك، بأن تجعليه دعاء إلى الله –تعالى- بأن يقدر لك الخير وقتما كان، وكيفما كان.

 

هل تأخير الإجابة يعني أن الله غاضب عليك؟

 

يقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: 186]؛ لكن إجابة الدعاء ليست محصورة في أن يأتيك ما طلبت بالصورة التي طلبتها في الوقت الذي أردته. وفي الحديث: «ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم، إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن تُعجّل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها» قالوا: إذن نكثر؟ قال: «الله أكثر» [رواه أحمد]. فدعاؤك لا يضيع أبدًا. وقد يكون جوابه أجرًا مدخرًا، أو شرًّا مصروفًا عنك لا ترينه.

 

وفي الصحيحين: «يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت فلم يستجب لي». وفيهما أيضًا: «ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب، ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفَّر الله بها من خطاياه».

 

فما تحملينه من حزن مكتوب لك –بإذن الله- لا عليك. وجاء في الحديث أن عِظَم الجزاء مع عِظَم البلاء، وأن الله إذا أحب قومًا ابتلاهم [رواه الترمذي]. وليس معنى هذا أن كل مبتلى محبوب بذاته، ولا أن كل منعَّم مغضوب عليه، بل معناه أن البلاء مع الصبر لا يضيع.

 

الاستغفار والدعاء بابان لخير عظيم

 

حكى القرآن عن نوح عليه السلام أنه أرشد قومه ونصحهم بالاستغفار، وعدد لهم فوائده العظيمة: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ [نوح: 10] إلى قوله: ﴿... وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ﴾ [نوح: 12]. فالاستغفار باب رحمة وخير عظيم، لا تتكريه، ولا تغفلي عنه.

 

وكذلك الدعاء؛ إذ حكى القرآن الكريم أيضًا على لسان زكريا عليه السلام ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ [مريم: 4]، أي ما شقيتُ يومًا وأنا أدعوك. وكذلك من يدعو الله، لا يشقى بدعائه.

 

وقد جاءه الجواب: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾ [الأنبياء: 90]. وفسَّر كثير من المفسرين إصلاح زوجه بأنها كانت عاقرًا فأصلحها الله للحمل. ولم تأتِ الإجابة بعد سنة ولا سنتين، بل بعد عمر طويل. وفي ذلك درس، وهو أن الله يعطي في الوقت الذي يعلمه أنه الأصلح، ولو بدا لنا متأخرًا.

 

زوجك وصبره... وأنت

 

قلتِ إن زوجك صابر، ويقول: «إحنا راضون»، وإنك لا تقدرين أن تكوني مثله. وأنا أقول لك يا أختي: لا تقارني نفسك به، فالناس يختلفون في طريقة تحمل الألم، فبعضهم يتحمله بصمت، وبعضهم يحتاج إلى أن يتكلم ويبكي. وقد بكى النبي ﷺ وهو في أعلى مقامات الرضا. فلا تعني دموعك أنك أقل رضًا من زوجك.

 

مناسبات الأهل والأطفال

 

الغصة التي تشعرين بها حين ترين أطفال الأهل ليست حسدًا. فالحسد أن تتمني زوال النعمة عن غيرك. أما أنت فتشتاقين لما عندهم دون أن تتمني لهم الفقد. وهذا حزن وليس حسدًا، ولا إثم فيه بإذن الله.

 

ومع ذلك يحق لك أن تتجنبي التعرض لهذه الغصة، فيمكنك أن تحضري وقتًا أقصر في هذه المناسبات، أو تختاري اللقاءات الأصغر، أو تزوري في غير ساعات الازدحام، أو تتواصلي بالهاتف والهدية في بعض المناسبات. وإن سألك أحد سؤالًا يؤلمك فجهِّزي جوابًا قصيرًا هادئًا مثل: «الأمر بيد الله، ادعوا لنا». وإن رأيت أطفالهم فقولي: «بارك الله فيهم»، وأتبعيها بدعاء لنفسك بينك وبين الله.

 

واصلي المتابعة الطبية مع الثقات

 

إن عُرضت عليك أساليب علاجية حديثة، فاسألي أهل الفتوى المعتمدين عن حكمها. واحذري كل الحذر من العرَّافين والمشعوذين وادعاءات «الحسد والسحر» التي تُباع للنساء في مثل حالك، ففي الحديث: «من أتى عرّافًا فسأله عن شيء لم تُقبل له صلاة أربعين ليلة» [رواه مسلم].

 

وختامًا أختي الكريمة، أؤكد على أن حزنك ليس سخطًا، وتأخر الإجابة ليس غضبًا، ولا تزال أبواب رحمة ربك مفتوحة. فادعي، وخذي بالأسباب، وإنك ما دمت تدعين وتصبرين وتتألمين وأنت متعلقة بربك، فأنت على رجاء الأجر بإذن الله.

 

 

أسأل الله أن يربط على قلبك وقلب زوجك، وأن يفرغ عليكما صبرًا ويقينًا، وأن يرزقكما من لدنه ذرية طيبة. وصلِّ اللهم وسلِّم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

روابط ذات صلة:

تأخر الحمل أورثني القلق.. ماذا أفعل؟

هل يتنافى القلق النفسي مع الرضا بالقضاء والقدر؟

كيف أصل إلى الرضا الحقيقي بأقدار لا أفهمها؟

التعليقات

الرابط المختصر :