الإستشارة - المستشار : أ. مصطفى عاشور
- القسم : شبهات وردود
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
21 - رقم الاستشارة : 5693
25/08/2026
هل هناك علاقة بين الهزيمة والتراجع الحضاري والضعف وبين انتشار الجدل في أي مجتمع وهل انتشار الجدال والاختلافات الكلامية دليل كاشف على عمق الضعف وتراجع القوة؟
أخي الكريم، من المؤشرات الدالة على
ضعف المجتمعات، وتغلغل ثقافة الهزيمة داخلها، أن يتحول الفعل والحركة إلى جدل
وضجيج من الكلام الذي لا يترتب عليها أي فعل ناجز، وهذا المؤشر تنبه إليه العلامة
"ابن خلدون" حين قال: "إذا دخلت الهزيمة نفوس قوم، غطوا عجزهم
بالجدل".
حقيقة الجدل
أخي الكريم، الجدل الذي ليس له قضية
واضحة ولا يسعى للحقيقة، ويجادل من أجل الانتصار الكلامي، يعد جدلاً عقيمًا؛ بل
وضار بالمجتمع، لأن يكشف عن تراجع قيمة العمل، وأن الحفاظ على التماسك الاجتماعي
غير مأخوذ في الاعتبار، في كتابه "دراسات في الفكر والثقافة اليابانية"
ينبه الدكتور "علاء علي زين العابدين" إلى طبيعة يتميز بها المجتمع
الياباني وهي الابتعاد عن الجدل حفاظًا على تماسكهم القومي، فيقول: "إن الأمة
اليابانية لا تجد في الجدل قيمة أو مضمونًا لأنها تستحي من خدش حياء الآخرين
وبالتالي خدش مشاعرهم وتعكير صفو علاقتهم القومية"؛ فالأمم التي تدمن الكلام
والجدل لا تكون حريصة على تحصيل القوة.
ومن المؤشرات الدالة على ضعف
المجتمعات تفشي الجدل حول الماضي وموتاه وأحداث التاريخ الغابر والانقسام والتفرق
حوله، وهذا يدل على موت الثقافة وضعف العقل، وهو أمر تناوله عالم الاجتماع العراقي
الدكتور "علي الوردي" في كتابه "مهزلة العقل البشري" فقال:
"إذا انشغل الناس في المفاضلة بين رجال أحياء كان ذلك دليلاً على حيوية
المجتمع... أما إذا اختلف الناس في فضائل رجال أموات كان ذلك دليلاً على مرض
المجتمع واقترابه من الموت. ولا يهتم بالموتى إلا الذي يريد أن يموت ويذهب إلى حيث
يعيش الموتى".
ذكر العلامة "محمد أبو
زهرة" في كتابه "تاريخ الجدل" قصة ذات دلالة على أن الجدل، يبتغي
في أغلبه الانتصار على الخصم وإفحامه، دون أن تكون هناك قضية حقيقة، قال:
"أبو حيان التوحيدي" الفيلسوف والأديب الشهير: سمعت أبا حامد الغزالي
يقول لطاهر العبادلي: ولا تعلق كثيرًا لما تسمع مني في مجلس الجدل، فإن الكلام
يجري فيه على ختل الخصم ومغالطته، ودفعه ومغالبته، فلسنا نتكلم لوجه الله خالصًا،
ولو أردنا ذلك لكان خطونا إلي الصمت أسرع من تطاولنا في الكلام، وإن كنا في كثير
من هذا نبوء بغضب الله تعالى، فإننا مع ذلك نطمع في سعة رحمة الله تعالى". (الختل
هو الخداع والمراوغة عن غفلة).
مهنة العاجزين
ذكر الأديب نجيب محفوظ في مجموعته
القصصية "تحت المظلة" التي كتبها عقب هزيمة يونيو عام 1967م، عبارة دالة،
وهي: "الجدل مهنة العاجزين عن الخلق"؛ فالجدل دليل عن العجز عن الفعل،
إذ تتحول طاقة الإنسان لتكون لفظية كلامية لا يبنى عليها فعل أو حركة.
والحقيقة أن الجدل في المجتمعات
المهزومة أو التي تعاني من الضعف والتراجع الحضاري يتحول إلى وسيلة لتفريغ شحنات
الغضب والإحباط والإحساس بالهزيمة، فيسعى الشخص لتحقيق أي انتصار حتى ولو في مجال
الكلام حفاظًا على تماسكه النفسي، وما ينطبق على الفرد ينطبق على المجتمع
والطائفة، إذ يتحول الجدال إلى ميدان بديل للمعركة الحقيقية، ويتحول النصر في
الجدل إلى نصر موهوم يقوم بدور تعويضي لوجع الهزيمة وغياب القدرة وحالة الضعف.
كذلك يتحول الجدال في المجتمعات
المهزومة إلى محاولة لبناء هوية، وأن يكون الانتصار في الجدال هو ما يمنح تلك
الهوية شرعيتها في الوجود، ولا شك أن تلك هوية هشة للغاية.
وختامًا أخي الكريم، الجدل الفارغ من
الغاية دليل هزيمة لا يمكن إنكاره، ودليل ضعف لا يمكن التستر عليه، ودليل تراجع
حضاري لا يمكن إخفاؤه، وهنا نتأمل الحديث النبوي الشريف الذي رواه الإمام أحمد
والترمذي وابن ماجة، قال ﷺ: "ما ضَلَّ قومٌ بعدَ هُدًى كانوا عليهِ
إلَّا أوتوا الجدَلَ".
موضوعات ذات صلة: