هل ثقافة الاستسهال تعيق النهوض الحضاري؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. مصطفى عاشور
  • القسم : فكر معاصر
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 10
  • رقم الاستشارة : 4964
01/06/2026

من الأفكار التي تعيق النهوض الحضاري التي تحدث عنها المفكر مالك بن نبي ما أسماه "ذهان السهولة" فماذا كان يقصد بهذا المصطلح، وهل فعلا يعد عائقا أمام النهوض والتقدم، وكيف يمكن أن تؤثر ثقافة الاستسهال على الدعة والضحالة وغياب الجودة والاتقان؟

الإجابة 01/06/2026

أخي الكريم، يقول الشاعر محمد عفيفي مطر: "على قدر المشقة تكون مغانم الرحلة، وعلى قدر السهولة والاقتناص الخاطف تكون تفاهة الحصاد"، ولعل ثقافة وروح الاستسهال من أخطر ما يصيب الأمم والمجتمعات والأفراد، وهي عائق أمام كل تقدم ونهوض.

 

وثقافة الاستسهال من العوائق الكبرى للنهوض الحضاري؛ لأنها تبث روح الدعة والاسترخاء في وعي الأمة وحركتها، فيصبح النهوض عبئًا وليس هدفًا يسعى إليه المجتمع، ولذا اعتبر المفكر مالك بن نبي (المتوفى 1973م) أن "ذهان السهولة" حالة نفسية وعقلية تصيب العقل وتخيل له أن عملية النهوض بسيطة ويمكن إنجازها بسرعة.

 

ذهان السهولة والاستحالة

 

اهتم مالك بن نبي بالحضارة ومشكلاتها، ورأى أن الحضارة لا تُبنى من خلال تكديس المنتجات من حضارة أخرى، ولكن من خلال تغيير الذهنيات، فتنتج الأفكار والحركة والسلوك الناجز في المجتمع بما يحقق الفعالية ويعبر عن الهوية.

 

قدّم مالك بن نبي تفسيرًا للتخلف والانحطاط الذي أصاب المسلمين، في سلسلته عن "مشكلات الحضارة" بعدما صاغ معادلة الحضارة من ثلاثة عناصر هي: الإنسان، والتراب، والوقت، ورأى أن مراحل الدورة الحضارية ثلاثة هي: مرحلة الروح، ومرحلة العقل، ومرحلة الغريزة، وفي المرحلة الثالثة يدخل المجتمع نفق الانحطاط، وتطفو الثقافات والمفاهيم المكبلة للنهوض، ومن بينها "ذهان الاستحالة وذهان السهولة.

 

وذهان الاستحالة والسهولة كلاهما يؤثر على العقل، فأحدهما يصيبه باليأس والعجز، والآخر يصيبه بالتكاسل والتراخي والدعة والتبسيط المخل بالمضمون وما يقتضيه الظرف القائم، يقول مالك: "إن خرافة ذهان الاستحالة تختفي تمامًا متى قمنا بأقل الجهود تواضعًا، ومتى تجمعت ثمراته بصورة إيجابية وجدنا أن أداء الواجب أعظم من المطالب بالحق".

 

أما ذهان السهولة فيعني استسهال الأمور وتقزيمها بحثًا عن الحلول المريحة، مثل الاكتفاء برفع الشعارات العاطفية أو المطالبة بالحقوق المجردة دون بناء القاعدة الصلبة لها.

 

كيف نعالج هذا الذهان؟

 

طرح "مالك" المبدأ القرآني في الإصلاح والتغيير، وهو {إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ} (الرعد: 11) فتغيير النفس يقتضي تغيير الحال، وهذا هو المدخل السليم والواقعي لأي عملية إصلاحية أو نهوض حضاري، فبدون تغيير الذهنيات والأفكار والمفاهيم والتصورات، لن يكون هناك نهوض حقيقي، ومما طرح لعلاج هذا الذهان:

 

* التحول من القول إلى العمل: التحول من منطق القول إلى منطق العمل الناجز ذو أهمية، يقول مالك: "إن الذي ينقص المسلم ليس منطق الفكرة، ولكن منطق العمل والحركة فهو لا يفكر ليعمل بل ليقول كلامًا مجردًا".

 

* أسبقية الواجب: إدراك أن أداء الواجب أعظم من المطالبة بالحق، وأن الحقوق لا تُعطى كهدية بل هي نتيجة حتمية للقيام بالواجبات، فتاريخيًّا الحق يسبق الواجب، والإنسان دخل التاريخ بقيامه بالواجب أولاً، وهي فكرة تتفق مع ما ذهب إليه بعض رواد النهضة الأوروبية، مثل عالم الاجتماع الفرنسي "أوجست كونت" من أن "الواجب يسبق الحق.. ولو قام الكل بواجبه لتحققت جميع الحقوق"، ولا شك أن ذلك أحد أسس التمدن والتحضر؛ نظرًا لأن القيام بالواجب يؤدي إلى السير الجيد في مضمار التقدم، يقول مالك بن نبي: "الحق ليس هدية تُعطى ولا غنيمة تُغتصب بل هو نتيجة حتمية للقيام بالواجب".

 

* العقلانية: مكون مهم لمواجهة ذهان السهولة والاستحالة، فالعقلانية تقاوم الخرافة وتحسن إدراك الذات بعيدًا عن المبالغة أو الإحساس بتدني احترام الذات أو عدم الثقة في قدراتها.

 

وختامًا أخي الكريم، نحتاج إلى إحياء أفكار ورؤى مفكرينا العرب والمسلمين، وإثارة الجدل والنقاشات العامة حول ما طرحوه من أفكار، بدلاً من الانغماس في أحاديث مباريات كرة القدم، والحياة الخاصة للفنانين والمشاهير.

 

 

موضوعات ذات صلة:

كيف نتغلب على عقلية الاستسهال وإيثار الراحة؟

لماذا انتشرت عقلية الاستسهال بين الشباب؟

كيف يعيق التحيز التأكيدي قدرات العقل على التفكير؟

الاسترخاء هل يفيد العقل؟ وكيف أتعلمه؟ 

الرابط المختصر :
hacklink satın al jojobet jojobet giriş jojobet jojobet giriş bahiscasino holiganbet holiganbet giriş betpas virüsbet virüsbet giriş casibom casibom giriş