الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : العادات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
11 - رقم الاستشارة : 5880
20/09/2026
إذا أخطأ الطبيب خطأً غير متعمد في وصف العلاج ونجم عنه تلف عضو للمريض، فهل تقع الدية على الطبيب أم على العاقلة؟ وما حكم أخذ "البراءة المسبقة" من المريض قبل إجراء العمليات الخطرة؟
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:
فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، وإن حفظ النفس وما
دونها من الأعضاء والجوارح يُعدُّ من أعظم كليات الشريعة الإسلامية الخمس. وممارسة
الطب من فروض الكفايات الشريفة التي تتطلب الأمانة والدقة، وقد حث الإسلام على
التداوي والطبابة. غير أن الشارع الحكيم أقام الأحكام على رعاية الحقوق وتحقيق
العدالة بين المريض والطبيب؛ فلا يُترك المريض بلا جبر للضرر عند تلف عضو منه، ولا
يُرهق الطبيب الحاذق المؤهل إذا أخطأ خطأً غير مقصود أثناء بذل وسعه، بل كفلت
الشريعة نظم التكافل والضمان لحفظ حقوق الجميع.
اختصارًا: إذا
كان الطبيب حَاذِقاً، ومأذوناً له بممارسة الطب، ولم يُفرّط أو يُخالف الأصول
والأنظمة الطبية المستقرة، بل أخطأ خطأً غير متعمد كالخطأ في وصف العلاج وترتب
عليه تلف عضو للمريض، فإن هذا الخطأ يُكيّف فقهيًّا على أنه "خطأ محض"،
ويجب فيه "أرش العضو" وهي الدية المقدّرة للعضو؛ وتقع هذه الدية على
"العاقلة" عصبة الطبيب أو ما يقوم مقامها كشركات التأمين ضد الأخطاء
الطبية إذا بلغت الدية ثلث دية النفس فأكثر عند جمهور الفقهاء، ولا تجب في مال
الطبيب الخاص إلا إذا كانت دون الثلث، أو لم تكن له عاقلة.
أما حكم
"الإبراء المسبق" أو أخذ البراءة المسبقة من المريض: فهو يصح ويبرئ ذمة
الطبيب من التبعة الشرعية والمالية بشرطين: أن يكون الطبيب أهلاً ومأذونًا له
بالعمل، وأن يكون التلف أو المضاعفات مما يدخل في نطاق المخاطر الطبية المتوقعة
للطب والمألوفة في أصل العلاج دون وقوع تفريط أو خطأ مهني جسيم منه؛ لأن الإبراء
عن الخطأ الجسيم أو الإهمال والتقصير غير جائز شرعاً ولا يصح إسقاطه مسبقًا.
وتفصيلاً:
أولاً: على من
تقع الدية في خطأ الطبيب غير المتعمد؟
فقهاء المذاهب
الأربعة الجمهور: أجمعوا على أن الطبيب المأذون له إذا اجتهد وأخطأ خطأً غير
مقصود، فإن فعله يُنزّل منزلة الخطأ، والدية تجب فيه على العاقلة.
جاء في
"الروض المربع" للبهوتي الحنبلي: وإن أذن فيه -أي الطب- مكلف، أو ولي
غيره، وكان الطبيب حَاذِقاً، ولم تجنُ يده لم يضمن؛ لأن الأذن بالشيء إذن في
لوازمه، فإن أخطأ فالضمان على عاقلته.
وجاء في
"المجموع" للنووي: إذا ختن صبيًّا أو أطبَّ مريضًا فأصاب غير الموضع أو
تجاوز الموضع، أو قطع في غير وقت القطع، فنتج عنه تلف.. ضمن، ويكون ضمانه على
عاقلته لأنه خطأ.
ونص الحنفية
والمالكية على أن ما أفسده الطبيب بغير قصد في الموضع المأذون فيه بالخطأ تجب فيه
الدية أو الأرش على العاقلة إذا بلغت الثلث.
واستقرت المجامع
الفقهية كمجمع الفقه الإسلامي الدولي في قراره رقم 142 على أنه "يكون الطبيب
ضامنًا إذا ترتب ضرر بالمريض في الحالات الآتية:
أ- إذا تعمد
إحداث الضرر.
ب- إذا كان
جاهلًا بالطب، أو بالفرع الذي أقدم على العمل الطبي فيه.
ج- إذا كان غير
مأذون له من قبل الجهة الرسمية المختصة.
د- إذا أقدم على
العمل دون إذن المريض أو مَن يقوم مقامه.
هـ- إذا غرر
بالمريض.
و- إذا ارتكب خطأ
لا يقع فيه أمثاله ولا تقرّه أصول المهنة، أو وقع منه إهمال أو تقصير.
ز- إذا أفشى سر
المريض بدون مقتضى معتبر.
ح- إذا امتنع عن
أداء الواجب الطبي في الحالات الإسعافية (حالات الضرورة).
ثانيًا: حكم
الإبراء المسبق البراءة المسبقة قبل العلاج/الجراحة:
مذهب الإمام مالك
والإمام أحمد في رواية وجماعة من السلف: يُلغى التلف ويصح شرط البراءة إذا كان
الطبيب حاذقًا. جاء في "المدونة" للإمام سحنون عن الإمام مالك: سألت
مالكًا عن الطبيب يشرط أنه بريء مما يطب بغير جهل منه؟ قال: ذلك له نافذ، وهو
يعجبني، وعللوا ذلك بأنه شرط يُرفع به التغريم عن الطبيب ليُقدِم على العلاج بنية
حسنة.
مذهب الشافعية
والحنفية: لا يصح شرط البراءة مما لم يستقر وجوبه بعد كإسقاط الشيء قبل وجوبه، ولكنهم اتفقوا
مع باقي الفقهاء عمليًّا على أن العمل الطبي المأذون فيه من المريض والذي أُجري
وفق القواعد الطبية الصحيحة لا ضمان فيه أساسًا دون حاجة للبراءة.
القواعد الفقهية
الحاكمة في ضمان الطبيب:
قاعدة الجناية
متى وقعت خطأً تحملتها العاقلة: وهي أصل في أبواب الديات
والضمانات، لرفع الحرج والمشقة عن الجاني خطأً وإعانته في دفع التبعات المالية.
قاعدة الجواز
الشرعي ينافي الضمان: فما أُذن فيه شرعًا وطبًّا وقام به
المختص وفق أصول المهنة لا يُضمن ما نتج عنه من آثار غير مقصودة، ما لم يقع تفريط.
قاعدة الإسقاط لا
يصح قبل ثبوت الحق: وهي الحاكمة لباب الإبراء المسبق؛ إذ لا
يجوز للمريض إبراء الطبيب مسبقاً من الإهمال والتقصير؛ لأن الجناية لم تقع بعد
ولأن التفريط محرم شرعاً.
قاعدة الشرط
يتنزل على وجهه الصحيح: شرط البراءة يُحمل على العلم بمخاطر
الجراحة والمضاعفات المألوفة، ولا يتعداها إلى تغطية الجهل والتقصير والخطأ
الفاحش.
قاعدة المباشر
ضامن وإن لم يتعدَّ، والمتسبب لا يضمن إلا بالتعادي: إذا اعتبرنا خطأ
الطبيب في التشخيص أو وصف الدواء تسببًا وليس مباشرة، فإنه لا يضمن إلا إذا كان
متعديًا بجهله بالطب، أو عدم اتباع الأصول الطبية، فإذا ثبت تعديه وجب الضمان. والله
تعالى أعلى وأعلم.
روابط ذات صلة: