الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : قضايا معاصرة
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
17 - رقم الاستشارة : 5358
20/07/2026
أعيش في دولة غربية تفرض ضرائب باهظة تصل لـ 40%، وأعلنت الحكومة عن صندوق استثماري يعفي المشاركين فيه من الضرائب كلياً، لكن هذا الصندوق يستثمر في الأسواق العامة وبعض مشاريعه قد تتضمن بيع الخمور في الفنادق؛ فهل يجوز لي وضع مالي فيه للتهرب من هذه الضرائب المجحفة؟
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،
وبعد:
فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، وبالطبع يعلم
الجميع صعوبة الأعباء المالية والاستقطاعات الضريبية المرتفعة التي يتحملها أبناء
الجاليات الإسلامية في المهجر، وحرص المسلم على استبقاء كسبه الحلال وحفظ ماله من
الاستنزاف هو مقصد مشروع يحمد عليه؛ فالمال شقيق الروح وحفظه إحدى الكليات الخمس
التي جاءت الشريعة برعايتها.
غير أن الشريعة الإسلامية كما دعت إلى حفظ المال، وضعت
أصولاً وضوابط لكيفية استثماره وتنميته، بحيث لا تختلط مكاسب الإنسان بما حرمه
الله تعالى؛ لأن البركة والخيرية مكمنها في طيب الكسب وطهارته.
اختصارًا: لا يجوز شرعًا الاستثمار في هذا الصندوق المعفى من الضرائب ما دام يستثمر
في أنشطة تتضمن بيع الخمور أو المحرمات؛ وذلك لأن مفسدة المساهمة في تجارة الخمور
أعظم من مصلحة التخلص من العبء الضريبي، ودرء المفسدة مقدم على جلب المصلحة، فضلاً
عن أن هذا النوع من الصناديق ليس من أولوياته أساسًا قواعد الشريعة، فهو يطرق كل
باب للربح مباحًا كان أو غير مباح.
ولا تُعد الضرائب الباهظة ضرورة شرعية تبيح استثمار
المال في المحرمات القطعية، فالغاية المشروعة مثل توفير المال وحفظه لا تبرر
الوسيلة المحرمة وهي تمويل بيع الخمر. والواجب البحث عن بدائل واستثمارات نقية
متوافقة مع الشريعة الإسلامية لتحقيق الخيارين معًا التقليل الضريبي المشروع
وطهارة المال.
وتفصيلاً:
حكم المساهمة في صناديق استثمارية تشتمل على أنشطة محرمة
كالخمور
اتفق الفقهاء قديمًا وحديثًا على أن المال إذا دخل في
تجارة المحرمات لذاتها كالخمر والخنزير حرم الاستثمار فيه وإقراره، ولا يعذر
المسلم في ذلك بحاجة مالية أو رغبة في تخفيف ضرائب.
الإمام النووي رحمه الله – المجموع شرح المهذب:
"أجمعت الأمة على تحريم
بيع الخمر وشرائها والمتاجرة بها أو الإعانة عليها بأي وجه من الوجوه، لثبوت
الحديث الصحيح عن النبي ﷺ: لَعَنَ اللَّهُ الْخَمْرَ وَشَارِبَهَا وَسَاقِيَهَا
وَبَائِعَهَا وَمُبْتَاعَهَا وَعَاصِرَهَا وَمُعْتَصِرَهَا وَحَامِلَهَا
وَالْمَحْمُولَةَ إِلَيْهِ".
هيئة المعايير الشرعية للمؤسسات المالية الإسلامية AAOIFI - المعيار الشرعي رقم 21 بشأن الأسهم:
"لا يجوز شراء أسهم
الشركات أو المساهمة في الصناديق التي يكون أصل نشاطها محرمًا، أو التي تتضمن
أنشطتها المتاجرة بالخمور أو التبغ أو الربا، ويعد دخوله فيها دخولاً في عقد محرم
شرعاً لا تصححه المصلحة المالية".
مجمع الفقه الإسلامي الدولي التابع لمنظمة التعاون
الإسلامي:
قرر في قراره رقم 63 1/7 أنه: "لا يجوز لمسلم شراء
أسهم شركات أو الإسهام في صناديق تعمل في بيع المحرمات كالخمور أو الخنازير، ولو
كانت نسبة تلك الأنشطة ضئيلة من مجمل أعمال الشركة".
حكم التهرب الضريب عمومًا
فرّق العلماء بين التهرب من الضرائب بوسائل قانونية
مباحة، وبين ارتكاب المحرمات للفرار منها:
تخفيف العبء الضريبي عبر الأدوات المباحة:
أجاز العلماء المعاصرون ومنهم المجلس الأوروبي للإفتاء
والبحوث الانتفاع بالإعفاءات والملاذات الضريبية التي تقرها قوانين الدول الغربية
كالصناديق الاستثمارية المخصصة للتقاعد أو التوفير بشرط أن تكون الأوعية
الاستثمارية المختارَة مباحة ونقية.
مدى اعتبار الضرائب الباهظة "ضرورة تبيح
المحظور":
بيّن العلماء أن الضرائب -ولو كانت باهظة ومجحفة- لا
تبيح ارتكاب محرم قطعي كالمتاجرة بالخمر.
جاء في فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
بالمملكة العربية السعودية 13/350: "لا يجوز للمسلم أن يتكسب بالحرَام ولا أن
يستثمر ماله في المحرمات كبيع الخمور أو الخنزير بحجة كثرة الضرائب أو صعوبة
المعيشة، فإن الضرورة التي تبيح المحظور هي التي يخاف المرء معها على نفسه أو أهله
الهلاك".
القواعد الفقهية الحاكمة
قاعدة: «درء المفاسد مقدم على جلب المصالح»
جلب مصلحة توفير المال والتخلص من الضرائب الباهظة مصلحة
مالية، لكن مفسدة تمويل بيع الخمور مفسدة دينية وخلقية، ودرء المفسدة مقدم شرعًا
على جلب المصلحة.
قاعدة: «الضرورة تُقدَّر بقدرها» و«الضرورات تبيح
المحظورات بشرطها»
حدد الفقهاء "الضرورة المبيحة للمحظور" بوقوع
الإنسان في خطر يهدد الكليات الخمس النفس، أو العقل، أو الدين، أو العرض، أو
استئصال المال كليًّا. والضرائب اقتطاع من نمو المال وليست جائحة تُهلك أصل النفس
أو المأكل والملبس الأساسي.
قاعدة: «ما حَرُمَ فعله حَرُمَ الإعانة عليه»
وضع المال في صندوق يشتري ويبيع الخمور في الفنادق هو
تمويل مباشر وشهادة مشاركة في هذا النشاط، والله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا
عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2].
قاعدة: «الوسائل لها أحكام المقاصد»
المقصد وهو "تقليل الاستقطاع الضريبي والمحافظة على
رزق العائلة" مقصد مشروع ومحمود، لكن استشرافه عبر وسيلة محرمة تجارة الخمر
يجعل الفعل بأكمله غير جائز. والله تعالى أعلى
وأعلم.
روابط
ذات صلة: